
أدهم الضهيب
بين لحظة إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان في ديسمبر 1955، ولحظة الانفجار الكبير للصراع في 15 أبريل، يمتد خيط تاريخي طويل شكّل جوهر الأزمة السودانية، وهو خيط الصراع حول من يملك القرار، ومن يحتكر السيادة، وكيف أُديرت العلاقة المختلة بين المركز والهامش منذ فجر الدولة الوطنية وحتى اليوم.
إن العودة إلى محطة الاستقلال ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة لفهم جذور الأزمة. ففي 19 ديسمبر 1955، تقدم النائب عبد الرحمن دبكة، ابن جنوب دارفور، بمقترح إعلان الاستقلال من داخل البرلمان. لم يكن ذلك الفعل مجرد خطوة إجرائية، بل كان مناورة سياسية ذكية قطعت الطريق أمام محاولات المستعمر للمماطلة والالتفاف على إرادة السودانيين. هذه اللحظة تؤكد أن الهامش لم يكن غائبًا عن صناعة التاريخ، بل كان في قلبه، وصاحب مبادرة حاسمة في لحظة مفصلية.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن القوى الاجتماعية التي ساهمت في صناعة الاستقلال، خصوصًا من أبناء الأقاليم والرعاة والمزارعين، وجدت نفسها لاحقًا خارج معادلة السلطة والثروة. فقد ورثت نخب المركز الدولة الاستعمارية كما هي، وأعادت إنتاجها بذات الآليات الإقصائية، محتفظة بالامتيازات، ومفرغة الاستقلال من محتواه الاجتماعي والاقتصادي. ومن هنا تشكلت ما يُعرف اليوم بأزمة التأسيس، حيث قامت دولة بلا عدالة، وسيادة منقوصة، ومواطنة غير متكافئة.
في هذا السياق، يرى كثيرون أن ما جرى في 15 أبريل ليس حدثًا معزولًا، بل امتداد لصراع تاريخي مؤجل. ويذهب هذا الرأي إلى اعتبار ما يُسمى بثورة الأحفاد محاولة لإعادة تصحيح المسار، واسترداد الحقوق التي سُلبت من الفئات التي دفعت ثمن بناء الدولة دون أن تجني ثماره. فالصراع الدائر اليوم يُقرأ، في أحد أبعاده، كأعمق مواجهة مع بنية الدولة المركزية التي احتكرت القرار وأقصت الأطراف لعقود طويلة.
إن هذه المواجهة لا تتعلق فقط بالسلاح، بل بإعادة تعريف هوية الدولة السودانية نفسها: هل هي دولة نخب مغلقة، أم دولة تعترف بتنوعها الاجتماعي والثقافي، وتعيد توزيع السلطة والثروة على أسس عادلة؟ هذا السؤال ظل مؤجلًا منذ الاستقلال، وها هو يعود بقوة في ظل الانهيار الشامل الذي تعيشه البلاد.
ويزداد تعقيد المشهد مع بروز مسألة التبعية والسيادة. فقد أظهرت التجربة التاريخية أن جزءًا من نخب المركز ظل يبحث عن حماية امتيازاته عبر الارتهان للخارج، سواء في الماضي الاستعماري أو في صيغ جديدة من التبعية الإقليمية. في المقابل، تشكلت تيارات استقلالية في الأطراف ترفض أي انتقاص من القرار الوطني، وتطالب بدولة سيادة حقيقية لا تُدار من خارج حدودها.
اليوم يقف السودان عند مفترق طرق حاسم. فإما أن تستمر الدولة كملكية خاصة للنخب المركزية، أو أن تُعاد صياغتها على أسس جديدة، تقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة التاريخية، والاعتراف بتضحيات كل من روى أرض هذا الوطن بدمه وجهده. إن نبل تطلعات الأحفاد نحو العدالة والمساواة يواجه اختبارًا تاريخيًا صعبًا، ولن يكون الخروج من هذا المأزق ممكنًا إلا عبر مشروع وطني جامع، يؤسس لدولة لا تميّز بين ابن المركز وابن الهامش، ويغلق إلى الأبد صفحة الدولة المختطفة.



