رأي

مطالبات بإغلاق حقل هجليج

مها طبيق

 

مها طبيق 

دون النظر إلي حقل هجليج كرقعة جغرافية تُقاس بالإحداثيات ، او حقل نفطي يُختزل في أرقام الإنتاج والصادرات ، علينا قبل كل شئ النظر إلي إنسان المنطقة . أصبح الآن هجليج اختبار سياسي وأخلاقي واقتصادي مفتوح ، تُقاس به صدقية أي سلطة تدّعي أنها جاءت لكسر دورة الظلم . مجتمعات المنطقة يرفضون إعادة تدوير الظلم بأدوات جديدة .

على مدى عقود ، كان النفط في هجليج يُستخرج بلا انقطاع ، بينما ظل الإنسان هناك خارج معادلة المنفعة . ثروة خرجت من باطن الأرض ، لكنها لم تصعد يومًا إلى مستوى حياة كريمة للسكان المحليين الذين انهكتهم تلوث البيئة وقتلهم السرطان وعانوا من الأمراض الجلدية وتشوه الاجنة والاجهاض . لا مستشفيات قادرة على مواجهة الأمراض الناتجة عن التلوث ، ولا بنى تحتية تعكس حجم العائدات ، ولا تعليم يؤسس لمستقبل مختلف . هذا التناقض الفجّ هو جوهر الأزمة : مورد استراتيجي يُدار بمنطق المركز ، ويُحمى بالسلاح ، ويُموَّل خارج الإقليم ، بينما تُترك المجتمعات على هامش القرار والنتائج .

هجليج بهذا المعنى يعتبر مقياس ومرآة للاقتصاد السياسي الظالم في السودان . النفط وبدلا من أن يكون أداة تنمية ، صار أداة إخضاع . حقلٌ محاط بأجهزة أمن ، أكثر من إحاطته بخدمات عامة . ومنطقة دُفعت ثمن الثروة تهميشًا ، وتشريدًا ، وتلوّثًا بيئيًا صامتًا لا يظهر في البيانات الرسمية ، لكنه حاضر في أجساد الناس ومياههم وأراضيهم ومواشيهم .

اليوم ، ومع تغيّر موازين السيطرة على الأرض ، تعود هجليج إلى الواجهة كسؤال ماذا بعد السيطرة ؟ وهل تتحوّل القوة من أداة إخضاع إلى أداة تصحيح ؟ هنا يبدأ الاختبار الحقيقي .

السيطرة على هجليج دون مشروع إنصاف لا يعد نصرًا ، ولكنه إعادة إنتاج لنفس النموذج القديم : نموذج يستبدل الفاعل ولا يغيّر الفكرة . فالتجربة السودانية أثبتت أن السلاح قادر على تغيير الخرائط ، لكنه عاجز عن بناء عقد اجتماعي يزيل الظلم ويعيد للإنسان وللحيوان وللبيئة صحتها . وكسب الحقول دون كسب المجتمعات لا يصنع استقرارًا ، بل يؤجل الانفجار .

الاختبار في هجليج واضح المعايير ولا يحتمل المواربة : هل ستُربط عائدات النفط بتنمية محلية ملموسة ؟ هل ستُعالج آثار التلوث الصحي والبيئي بقرارات جريئة لا بلجان شكلية ؟ هل سيُشرك أهل الأرض في القرار والمصير ، وإعتبارهم شركاء لا مستفيدين ؟ وهل سيُفك الارتباط التاريخي بين النفط والعسكرة ، لصالح نموذج تنموي عادل ؟

إن تحويل هجليج من رمز للنهب المنظم إلى نموذج للعدالة الاقتصادية هو التحدي الأكبر . فالعدالة يجب أن تترجم الي سياسات قابلة للقياس : صندوق تنمية إقليمي ، استثمار حقيقي في الصحة والتعليم ، تعويض عادل للمتضررين ، وشفافية كاملة في الإنتاج والعائدات

هجليج اختبار حقيقي للسلطة ، وللعدالة ، ولمستقبل العلاقة بين الدولة وإنسان الهامش والتاريخ يُسجّل من يغير حياة الناس فعليا إلي واقع ومستقبل افضل . ولا نهتم بمن يقف على المنصات . فإما أن تكون هجليج نقطة تحوّل تكسر القاعدة القديمة التي ربطت الثروة بالحرب ، أو تبقى شاهدًا جديدًا على أن السودان يغيّر الوجوه… ويُبقي الجرح مفتوحًا .

مها الهادي طبيق

21 ديسمبر 2025

mahatebig@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!