رأي

خناجر العصر وتجار القيم: لماذا لن يحكم المتأسلمون السودان من جديد؟

د. يعقوب آدم عبد الشافع..رئيس حركة الإصلاح والتجديد

 

د. يعقوب آدم عبد الشافع..رئيس حركة الإصلاح والتجديد

لن يُحكم السودان مرة أخرى بواسطة ما أسميهم «السواقط العلفيين وتجار القيم والدين». هؤلاء هم، في جوهرهم، جماعة الإخوان المسلمين، خناجر العصر العالمية بالغلو والتطرف والإرهاب، الذين تغيّروا في السودان باللافتات وتبدّلت أسماؤهم، بينما ظل الهدف واحداً والمضمون ثابتاً: السيطرة باسم الدين، والمتاجرة بالقيم من أجل السلطة والمال.

تنقّل هذا التيار بين مسميات متعددة: من جماعة الإخوان المسلمين، إلى حزب التحرير الإسلامي، ثم الحزب الاشتراكي، فالحركة الإسلامية السودانية، وصولاً إلى الجبهة القومية الإسلامية. تغيّرت العناوين، لكن البنية الفكرية والتنظيمية لم تتغير؛ إقصاء، واحتكار للحقيقة، وتوظيف للدين في الصراع السياسي، مع استعداد دائم لاستخدام العنف والخداع متى ما اقتضت المصلحة.

لم تكن الحركة الإسلامية تنظيماً سياسياً فحسب، بل مشروعاً اقتصادياً موازياً للدولة. تمدّد عبر شركات المضاربة، وعمارات الاستثمار، والبنوك، والمنظمات والجمعيات، والروابط والاتحادات، والنقابات، والجامعات الخاصة ذات الطابع «الجهادي»، إضافة إلى المراكز الإعلامية التي تولّت صناعة الوعي الزائف. هذا التغلغل لم يكن صدفة، بل خطة محكمة للسيطرة على مفاصل الدولة والمجتمع معاً.

في الفترة ما بين 1985 و1989، لعبت الجبهة القومية الإسلامية دوراً مركزياً في تعميق الفوضى المدنية، وإدارة مشهد سياسي مضطرب انتهى بمسرحية «القصر والسجن»، التي مهّدت للانقلاب العسكري المعروف باسم «ثورة الإنقاذ الوطني». كان ذلك الانقلاب تتويجاً لمسار طويل من الكذب والفجور والخديعة والنفاق، نقل البلاد من أزمة ديمقراطية قابلة للإصلاح إلى استبداد شامل.

قاد المشروع ما عُرف بالعرّاب الماكر، الذي أسّس لمنظومة حكم قائمة على التمكين، ثم ورّثها لتلامذته وأتباعه من المتفيقهين والانتهازيين والساعين للمغانم. تكدّست حول السلطة نفايات أحزاب الفشل، وتحوّل المؤتمر الوطني إلى وعاء جامع لكل الطامعين، حتى جاء الانشقاق الشهير بين المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي، كإعلان صريح عن بداية التفكك الداخلي وفقدان الوحدة الفكرية والتنظيمية.

لكن الخاتمة كانت أكثر فداحة: حرب مدمّرة بين الدعم السريع وتنظيم الحركة العسكري–التجاري، في مشهد يلخّص حقيقة المشروع بأكمله: «يخرّبون بأيديهم وبأيدي المؤمنين». هكذا انهارت السلطة والثروة التي راكمتها الحركة الإسلامية السودانية عبر نحو 78 عاماً (1945–2023)، واحترق حصاد تجربة قامت على الوهم والاستغلال والعنف.

إن سجل هذه الجماعة مثقل بجرائم لا تسقط بالتقادم: بيوت الأشباح، واغتيالات الضباط، وحروب الجنوب التي انتهت بانفصال الوطن، وإشعال النزاعات في جبال النوبة ودارفور والنيل الأزرق والشرق، وسياسات النظام العام الفاسدة، وقمع الضعفاء، والفصل التعسفي للموظفين، وتمكين الجهلاء، وتهجير الملايين بين نزوح ولجوء وتشرد.

كما جرى تفكيك الدولة بإعادة تشكيل مؤسساتها الأمنية والعسكرية، عبر تحويل قوة دفاع السودان إلى قوات مؤدلجة: مجاهدين ودبابين، وأجهزة أمن خاصة وشعبية، وقوات ظل، ففُقدت المهنية، وربط السلاح بالمشروع الحزبي لا بالوطن.

ورغم هذا الكم من الحشد والنفاق، ورغم الشعارات المخادعة من شاكلة «جيش واحد وشعب واحد»، فإن الحقيقة باتت واضحة: هذا المشروع سقط أخلاقياً وسياسياً، وانكشف في كل مراحله. السودان، بعد كل هذا الدمار، لن يقبل بعودة من تاجروا بالدين والقيم، ولن يُحكم مرة أخرى عبر النفاق المقنّع. فالشعب الذي دفع هذا الثمن الباهظ بات أكثر وعياً، وأكثر تمسكاً بدولة العدالة والحرية والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!