رأي

رسالة إلى «الهاوس نيقروس»: أنتم أبناء جلدتنا… ولكنكم اخترتم الوقوف في الصف الخطأ

عبد الناصر حمزة

 

عبد الناصر حمزة

عندما نحاول الكتابة عن مأساة مجتمعاتنا في هامش السودان العريض، يعتصرنا الألم وتخنقنا الغصّة. هو وطن لم نحصد منه، عبر عقود طويلة، سوى العنف الاجتماعي المقنّع، والتقسيم القاسي على أساس اللون أو الجهة أو الهوية. في هذا الوطن، دُفعت شعوب الهامش – بفعل سياسات النخب المركزية – إلى صراعات لا تنتهي، بحثاً عن تميّزٍ زائف بين ما هو حق أصيل وما هو مجرد حلم مؤجل.

هذه المجتمعات لم تطلب المستحيل. كل ما سعت إليه عيشٌ كريم: طعام يسدّ الرمق بلا ذل، وماء نقي يروي العطش، ونوم آمن لا يقطعه صوت الرصاص أو هاجس الخوف. حقوق بديهية لا تقبل المزايدة أو الحرمان في أي بلد من بلدان العالم. غير أن شعوب الهامش في السودان وجدت نفسها، بفعل سياسات المركز، محرومة من هذه الحقوق حتى صارت أقرب إلى المستحيلات، وكأن الطريق الوحيد للاعتراف بإنسانيتها هو حمل السلاح.

ورغم قلة الحيلة، عاشت هذه المجتمعات زمناً طويلاً في سلامٍ نسبي، تتقاسم كسرة الخبز، وتتشارك الأفراح والأتراح، منسيةً في أقاصي البلاد. بعضهم لا يعرف حتى اسم رئيس الدولة، ولا يرى من الدولة سوى صناديق الاقتراع ومكاتب الجبايات. لم تطأ أقدام الوزراء أرضهم، ولا تعرف الدولة أعدادهم الحقيقية. في فصل الخريف تقطعهم الأودية الصغيرة عن مدنهم وقراهم، وفي الصحة يعتمدون على “الشفخانة”، وأحياناً على أدوية تُشترى من رفوف دكاكين الأحياء.

ارتضت هذه المجتمعات هذا الواقع القاسي لأنها لم تكن تملك خياراً آخر. لكن ما عمّق أزمتها، وأسال جراحها، لم يكن المركز وحده، بل بعض أبناء جلدتها: أشباه مثقفين، ومدّعي ثورات التحرر، نصبوا أنفسهم أوصياء على هذه الشعوب. باعوا أنفسهم بدراهم معدودة لجلادهم في المركز، ومزّقوا النسيج الاجتماعي بخطاب عنصري ضيق، ووضعوا أيديهم في يد من يقتل شعوبهم بدمٍ بارد.

هؤلاء لم يكتفوا بالصمت، بل تحولوا إلى أدوات لتبرير القتل وتمرير أجندات المركز. صاروا خط الدفاع الأول عنه، يدافعون دفاعاً مستميتاً عن جلاد لا يرى فيهم سوى وقودٍ مؤقت. ماتت قلوبهم حين أكلوا من خبزه، وباعوا ضمائرهم، وتلاشت قضيتهم الزائفة. ولعل أدق توصيف لهم هو ما أطلقه القائد عبد الواحد محمد نور حين وصفهم بـ«الهاوس نيقروس»: أولئك الذين يتبنّون خطاب مضطهديهم، ويعادون قضايا أهلهم.

ويبقى السؤال المؤلم: إلى متى ستتاجرون بقضية هؤلاء البسطاء؟ وإلى متى تسترخصون دماء شعبكم الذي لا يحلم سوى بالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية؟ متى تدركون، يا أبناء جلدتنا، أن عدوكم واحد، لا يريد لكم التوحّد، ولا يعنيه مصير مجتمعاتكم؟ وإلى متى تلطّخون أيديكم بدماء أهلكم طلباً لرضا جلادٍ لن يرضى عنكم أبداً؟

ارحموا مجتمعاتنا يرحمكم الله. لقد بلغت حافة الاحتمال، ولم تعد تحتمل مزيداً من الدم والدمار. أبعدوا مصالحكم الضيقة عن دمائهم التي تُراق كما تُراق دماء البهائم بسكين جلادكم. دعوا هذه الشعوب تعيش في سلام، فهذا كل ما تطلبه اليوم.

ليتكم تعون الدرس قبل فوات الأوان، وتجَنّبون ما تبقّى من مجتمعاتكم ويلات الحروب العبثية. فقد صار الدم أغلى من كل المصالح، وأثمن من كل الصفقات، وأبقى من كل أوهام السلطة.

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!