لماذا تجنّب البرهان الصدام مع “ترس السودان” في الشمال؟ وهل نُقلت المواجهة عمداً إلى الشرق؟
خضر كوة

خضر كوة
في السياسة، لا تكمن الحقيقة دائماً فيما يحدث، بل فيما لا يحدث. فغياب القرار قد يكون في أحيان كثيرة أكثر دلالة من اتخاذه، والصمت قد يحمل من الرسائل ما لا تحمله الخطب والشعارات. ومن هذا المنطلق، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على كل متابع للشأن السوداني: لماذا لم يقدم عبد الفتاح البرهان على استخدام القوة لكسر إغلاق طريق شريان الشمال عندما أعلن “ترس السودان” عصيانه وأغلق أحد أهم الممرات الاقتصادية والاستراتيجية في البلاد؟ ولماذا لم تمارس القاهرة، صاحبة المصلحة المباشرة في استمرار حركة التجارة عبر ذلك الطريق، ضغوطاً باتجاه الحسم العسكري كما يفترض منطق المصالح؟
هذا السؤال لا يتعلق بطريق مغلق فحسب، وإنما يكشف طبيعة الحسابات السياسية التي تحكم إدارة الصراع داخل السودان.
فحين كان “ترس السودان” يغلق شريان الشمال، توقفت حركة التجارة، وتعطلت مصالح اقتصادية حيوية، وتأثرت الصادرات والواردات، ومع ذلك لم تُشهر السلطة سيف “هيبة الدولة”، ولم تُرفع شعارات فرض القانون بالقوة، ولم تُحشد القوات لإنهاء الاعتصام كما حدث في ساحات أخرى. وهو تباين يدفع إلى التساؤل عن المعايير التي تُدار بها الأزمات داخل الدولة.
إن التفسير الأكثر اتساقاً مع الوقائع هو أن السلطة كانت تدرك جيداً أن الشمال يختلف عن غيره في بنيته الاجتماعية والسياسية. فقيادات “ترس السودان” لم تكن مجموعات معزولة عن محيطها، بل خرجت من قلب الحاضنة الاجتماعية التي ظلت تمثل لعقود إحدى أهم ركائز النفوذ التقليدي للحركة الإسلامية والقوى المتحالفة معها.
ومن ثم، فإن أي مواجهة عسكرية مع تلك الحاضنة لم تكن ستُقرأ باعتبارها عملية لفرض القانون، وإنما باعتبارها صداماً مباشراً مع مجتمع يمتلك امتدادات قبلية واجتماعية وسياسية عميقة، وهو ما كان من شأنه أن يهدد التوازنات الداخلية ويُحدث شرخاً داخل البيئة التي استندت إليها السلطة لسنوات طويلة.
لهذا، بدا أن كلفة المواجهة في الشمال كانت أعلى بكثير من كلفة التراجع عنها. فالسلطة قد تتحمل تعطيل طريق لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع بسهولة تحمل خسارة حاضنتها الاجتماعية أو فتح جبهة صراع داخل الإقليم الذي ظل يمثل أحد أهم مراكز ثقلها السياسي.
ومن هنا، يذهب هذا التحليل إلى أن الخيار لم يكن إنهاء الأزمة بقدر ما كان إعادة توزيعها جغرافياً وسياسياً. فبدلاً من خوض مواجهة مباشرة مع قوى تمتلك سنداً اجتماعياً واسعاً في الشمال، بدا أن بوصلة الصراع اتجهت نحو ساحات أخرى تُقدَّر كلفتها السياسية بأنها أقل، ويمكن إدارة تداعياتها بصورة أكثر قابلية للسيطرة
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود خطة معلنة أو قرار موثق، لكنه يسلط الضوء على نمط في إدارة الأزمات يقوم على تجنب المواجهات المكلفة سياسياً، واختيار ميادين تكون فيها موازين القوة والغطاء الاجتماعي أكثر ملاءمة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في السودان اليوم هو أن تتحول الأقاليم إلى جزر سياسية معزولة، تُدار أزماتها منفردة، بينما يقف بقية السودانيين موقف المتفرج. فكلما نجحت السلطة أو أي طرف سياسي في عزل إقليم عن الآخر، أصبح من الأسهل إدارة الصراع بالتجزئة، وإضعاف مراكز المقاومة واحداً تلو الآخر.
لقد قدم “ترس السودان” في الشمال درساً سياسياً بالغ الأهمية، مفاده أن قوة أي حراك لا تُقاس بحجم ما يملكه من أدوات القوة المادية فحسب، وإنما بقدر ما يستند إلى قاعدة اجتماعية متماسكة تمنحه الشرعية والقدرة على الصمود.
والدرس نفسه ينبغي أن تستوعبه كل أقاليم السودان. فالقضايا الوطنية لا ينبغي أن تُختزل في حدود جغرافية أو قبلية، لأن تفكيك التضامن بين الأقاليم لا يخدم سوى استمرار حالة الانقسام وإعادة إنتاج الأزمات.
إن وحدة السودانيين، واحترام تنوعهم، وإدراكهم لوحدة المصير، تظل الضمانة الأهم للحفاظ على استقرار البلاد. أما تبديل ساحات التوتر، مهما كانت دوافعه، فلا يعني بالضرورة معالجة أسباب الأزمة، بل قد يكون مجرد إعادة تموضع للصراع وفق حسابات سياسية متغيرة، فيما تبقى جذور المشكلة على حالها، قابلة للظهور في أي إقليم آخر متى توفرت الظروف المناسبة.




