
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
أولاً: إشكالية توزيع السلطة في سياق مضطرب
في سياقٍ تتداخل فيه السلطة مع الوقائع العسكرية والسياسية، وتتشابك فيه الأدوار بين ما هو مؤسسي وما هو أمر واقع، تبرز مسألة توزيع المواقع العليا في هرم الحكم بوصفها إحدى أكثر الإشكالات حساسية وتعقيداً. فالمسألة لا تتعلق بمن يشغل المنصب فحسب، بل بالأساس الذي يستند إليه هذا الشغل، وبمدى اتساقه مع الإطار الدستوري الناظم للحياة العامة.
ثانياً: معيار الشرعية بين النص والواقع
لا تُقاس مشروعية القرارات الكبرى في الدول بالخطاب السياسي أو بسطوة الأمر الواقع، وإنما تُقاس بمدى اتساقها مع النصوص الدستورية والقوانين المنظمة لاختصاصات السلطة وحدودها. وفي الحالة السودانية، يتجدد الجدل حول القرارات المرتبطة بإعادة تشكيل هياكل الحكم داخل المؤسسة العسكرية، وما يتصل بها من إعادة ترتيب لمواقع السلطة العليا أو إعادة تعريف موقع رأس الدولة.
ثالثاً: الأساس الدستوري للمنصب وحدود الاختصاص
من الناحية القانونية، لا يكفي مجرد شغل موقع سيادي أو إعلان توليه ليُكتسب هذا الموقع شرعية مكتملة الأركان، إذ إن الشرعية تُستمد حصراً من الدستور أو من آلية انتقال سلطة منصوص عليها ومُتوافق عليها ضمن إطار قانوني نافذ. وأي خروج عن هذا الإطار يضع القرار في نطاق “الواقع السياسي” لا “الشرعية الدستورية”، مهما بلغت درجة السيطرة الفعلية على مفاصل الدولة.
رابعاً: الطبيعة القانونية للهياكل الانتقالية
الهياكل الانتقالية، بحكم طبيعتها، ليست كيانات قابلة لإعادة التشكيل أو الإلغاء بإرادة منفردة خارج الإطار الذي أنشأها، بل تقوم على توازنات دقيقة صاغتها نصوص أو توافقات تأسيسية. وعليه، فإن أي تدخل جوهري في بنيتها دون سند دستوري واضح أو توافق مؤسسي معتبر، يثير شبهة تجاوز الاختصاص، ويطرح إشكالاً مباشراً حول مدى احترام مبدأ المشروعية وسيادة الدستور.
خامساً: الشرعية الشكلية مقابل الشرعية الموضوعية
القانون لا يُعنى بالنيات بقدر ما يُعنى بالاختصاص والإجراءات، غير أنه في الوقت ذاته لا يكتفي بالشكل، بل يمتد إلى فحص جوهر القرار وأثره على البنية المؤسسية للدولة. ومن هنا يتجلى الفرق بين الشرعية الشكلية—التي قد تتوافر متى صدر القرار من جهة تدّعي الاختصاص—والشرعية الموضوعية التي تُقاس بمدى توافق القرار مع روح الدستور ومبادئه، وفي مقدمتها الفصل بين السلطات، وعدم تركيزها، وضمان عدم تضارب المصالح داخل هياكل الحكم.
سادساً: مبدأ حياد المؤسسة العسكرية
ويقوم النظام الدستوري في جوهره على مبدأ تقييد السلطة بالنصوص، بحيث تمارس كل جهة اختصاصاتها في الحدود التي رسمها الدستور أو القانون صراحة، دون توسع أو تأويل يؤدي إلى تجاوز تلك الحدود. وأي ممارسة للسلطة خارج هذا الإطار تُفقد القرار أساسه القانوني، حتى وإن استندت إلى واقع قوة أو نفوذ فعلي، لأن المشروعية لا تُمنح بالقوة، بل تُستمد من الالتزام بالقانون.
وفي هذا الإطار، تستند القواعد المنظمة للمؤسسة العسكرية إلى مبدأ حياد القوات المسلحة وامتناع منسوبيها عن الانخراط في العمل السياسي أثناء الخدمة، بما يحفظ استقلال القرار العسكري ويمنع تسييسه. وأي تداخل غير منضبط بين الموقع العسكري والموقع السياسي، أو انتقال بينهما بما يخل بهذا المبدأ، لا يُعد مجرد إشكال إجرائي، بل يمس جوهر التنظيم المؤسسي للمؤسسة العسكرية، ويؤثر على وضوح التسلسل القيادي ويضعف ضمانات استقلال القرار داخل الدولة.
سابعاً: مثال واقعي على إشكال التداخل
ومن الأمثلة الدالة على هذا الإشكال، ما أُثير من جدل حول تولي قيادات عسكرية لمواقع سياسية عليا خلال الفترات الانتقالية، بما في ذلك رئاسة أو عضوية هياكل سيادية ذات طابع سياسي. ففي هذه الحالات، لا يكون الإشكال في شغل المنصب بحد ذاته، بل في الجمع بين طبيعة عسكرية يفترض فيها الحياد والانضباط المؤسسي، وموقع سياسي يقتضي اتخاذ قرارات ذات طابع سيادي وتأثير مباشر على توازنات الحكم. هذا التداخل يثير تساؤلات حول مدى توافقه مع مبدأ الفصل بين الوظائف، ويجعل القرار عرضة للنقاش حول مشروعيته الموضوعية، حتى في حال توفر غطاء شكلي له.
ثامناً: التقييم القانوني النهائي
وعليه، فإن الجمع بين موقع عسكري رفيع وموقع سياسي مؤثر، أو إعادة ترتيب مواقع السلطة العليا في ظل غياب قواعد دستورية واضحة، لا يمكن اعتباره ممارسة طبيعية مكتملة الشرعية، حتى إن لم يصطدم بنص صريح في كل الحالات. فهو يظل في جوهره تعبيراً عن إشكال مؤسسي قائم، تتداخل فيه حدود الاختصاص مع منطق الواقع، بما يضعه في منطقة مضطربة من حيث المشروعية.
خاتمة: بين الواقع والشرعية
في نهاية المطاف، لا يمكن فصل تقييم هذه الترتيبات عن السياق العام الذي نشأت فيه، حيث تتقاطع نصوص دستورية غير مستقرة التطبيق مع واقع سياسي يفرض نفسه بقوة الأمر الواقع. غير أن القراءة القانونية المنضبطة تقود إلى نتيجة واضحة: إن القرارات المتعلقة بإعادة تشكيل مواقع السلطة أو توزيعها، في صورتها الراهنة، تبدو أقرب إلى التعبير عن موازين القوة القائمة منها إلى تجسيد شرعية دستورية مكتملة الأركان. فمهما اكتسبت من مظاهر شكلية، فإن غياب السند الدستوري الواضح والتوافق المؤسسي يجعلها تفتقر إلى جوهر الشرعية الموضوعية، ويضعها في موضع تساؤل جاد حول مشروعيتها، بما يؤكد أن شرعية الدولة لا تُقاس فقط بما يُعلن، بل بما يستند إلى قاعدة قانونية حقيقية تقيّد السلطة ولا تخضع لها.




