رأي

السودان بين موت القديم وفشل الجديد: قراءة في أزمة الهيمنة والسلطة

عبد الرحمن ابو رندة.. بنسلفانيا

 

عبدالرحمن أبو رندة..  بنسلفانيا

تبدو الحالة السودانية اليوم نموذجاً حيّاً لما وصفه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي بـ أزمة الهيمنة، أو ما يسميه الأزمة العضوية، حيث تفقد الطبقة الحاكمة شرعيتها في قيادة المجتمع عبر الإقناع والرضا، فتضطر إلى الاعتماد على القسر والقوة، بينما القوى الجديدة عاجزة عن تقديم مشروع متكامل قادر على استبدال القديم. كما يقول غرامشي: «يحتضر القديم ولا يولد الجديد»، وهذه العبارة تلخص بدقة مأساة السودان السياسي والاجتماعي منذ عقود.

منذ ما سُمّي بالاستقلال، لم تنجح النخب السودانية في بناء هيمنة قائمة على القبول الشعبي أو مشروع وطني جامع. كانت السلطة تدور دائماً ضمن تحالفات ضيقة، أيديولوجية أو عسكرية أو جهوية، فكانت تقود البلاد ككيان سياسي يخضع للإملاءات الخارجية، بينما الجماهير محرومة من المشاركة الحقيقية في صنع القرار. وهنا يتضح الفرق الجوهري بين القيادة، التي هي ممارسة للإقناع وبناء مشروع مشترك، وبين السلطة القسرية التي تفرض نفسها عبر القوة، كما يشرح غرامشي في كتاباته عن «الهيمنة السياسية والثقافية».

فقدت النخب الحاكمة، سواء كانت مدنية أم عسكرية، شرعيتها الأخلاقية والسياسية، وانفصلت الجماهير عن الأيديولوجيات التقليدية التي كانت تبرر وجودها، سواء كانت قومية أو دينية أو حزبية. هذا الانفصال بلغ ذروته في ثورة ديسمبر، التي لم تكن مجرد احتجاج على نظام بعينه، بل تمرداً على منظومة الهيمنة بأكملها. ومع ذلك، لم تنجح الثورة حتى الآن في إنتاج كتلة اجتماعية وسياسية جديدة قادرة على بناء هيمنة بديلة تمثل رؤية وطنية شاملة.

هذا الفراغ البنيوي أنتج أعراضاً مرضية متعددة، وفق المنظور الغرامشي: عسكرة السياسة، صعود المليشيات، تفكك الدولة، انعدام العدالة، انهيار الاقتصاد، وتصاعد خطاب الكراهية والانقسام، وهي كلها مظاهر لعجز الهيمنة عن الانتقال إلى مشروع سياسي جديد قادر على إقناع المجتمع، بدلاً من الاعتماد على القوة.

الجيش السوداني، الذي صُمم أصلاً كقوة دفاعية وطنية، تحول بفعل هذا الفراغ إلى أداة في يد النخب، وساحة لتصفية الحسابات الأيديولوجية، ما جعل السلاح وسيلة لإبقاء القديم على قيد الحياة، بينما الجديد لا يولد. هذا الانزلاق من قيادة قائمة على الرضا إلى سيطرة قائمة على القهر يمثل جوهر أزمة الهيمنة السودانية.

الحل، وفق فهم غرامشي، لا يكمن في تغييرات سطحية أو اتفاقات مؤقتة، بل في إنتاج هيمنة جديدة، تبدأ بإعادة تعريف الدولة نفسها على أسس المواطنة والعدالة وحقوق الإنسان، وبناء مشروع سياسي قادر على جمع الجماهير حول رؤية وطنية مشتركة، وإعادة تشكيل الجيش ليصبح أداة وطنية، لا أداة حزبية.

السودان، إذا أراد الخروج من أزمته المزمنة، يحتاج إلى ولادة سياسية جديدة، تعيد توجيه الطاقات الجماهيرية نحو مشروع وطني متكامل، وتنهي زمن الهيمنة المفقودة، ليصبح المجتمع والفكر السياسي في السودان قادرين على استعادة المبادرة والبناء الحقيقي، بعيداً عن إعادة تدوير القديم وفشل المشروع الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!