رأي

حين يسقط القناع الحديدي: الحركة الإسلاموية السودانية بين فشل الفكرة وعنف الممارسة وسقوط الشرعية

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

الإخوان المسلمون بين الدعوي والسياسي: مأزق فكري قديم وعجز مزمن عن التمييز

منذ نشأتها، ظلت الحركة الإسلاموية – وعلى رأسها تنظيم الإخوان المسلمين – أسيرة مأزق فكري عميق يتمثل في العجز عن التمييز الحقيقي بين ما هو دعوي وما هو سياسي. هذا الخلط لم يكن عفوياً، بل شكّل جوهر المشروع نفسه، حيث جرى توظيف الدين بوصفه وسيلة للوصول إلى السلطة، لا منظومة قيم أخلاقية تُسهم في بناء المجتمع. ومع تعاقب التجارب، تبيّن أن كل محاولات التوفيق بين “الأصل والعصر” لم تكن سوى اجتهادات شكلية أخفت تناقضات بنيوية داخل الفكر والتنظيم، وأنتجت خطاباً مزدوجاً يبدّل لغته وفق موازين القوة والظرف السياسي.

السلطة كغاية مطلقة: حين تصبح كل الوسائل مشروعة ولو عبر العنف والانقلاب

في أدبيات الحركة الإسلاموية، لم تكن السلطة أداة لخدمة المجتمع، بل غاية عليا تبرر كل الوسائل. من هنا، لم يكن اللجوء إلى العنف أو الانقلاب استثناءً، بل خياراً قائماً متى ما تعذّر الوصول عبر الوسائل السلمية. هذا المنطق قاد إلى تبرير الانقلابات العسكرية، وتغليفها بشعارات دينية، في سابقة خطيرة جعلت الدولة رهينة لمشروع أيديولوجي مغلق، وما إن تصل هذه الحركات إلى الحكم حتى تدخل في مواجهة حتمية مع المجتمع بسبب عجزها عن تقديم حلول واقعية.

شعار «الإسلام هو الحل» بين الإفلاس السياسي وتناقضه مع مفاهيم الدولة الحديثة

ظل شعار «الإسلام هو الحل» يُرفع بلا مضمون عملي، حتى تحوّل إلى أسطوانة مشروخة. فالدولة الحديثة تقوم على المواطنة المتساوية والعقد الاجتماعي، وسيادة القانون. وحتى بعض منظّري الصحوة أقرّوا بأن الحرية والشورى والعدالة والمساواة لا تتناقض مع الديمقراطية. غير أن الحركة الإسلاموية فشلت في ترجمة هذه القيم إلى مؤسسات، واختارت دولة التمكين والإقصاء، فسقط الشعار تحت وطأة الواقع.

 من سيد قطب إلى التنظيمات السرية: الجذور الأيديولوجية للعنف والتطرف

لا يمكن فصل الحركة الإسلاموية عن الجذور الفكرية التي أسّست للتكفير والعنف، وعلى رأسها كتابات سيد قطب، خاصة مفاهيم «الحاكمية» و«جاهلية المجتمع». هذه الأطروحات شرعنت العنف وقسّمت المجتمع، وأسست لتنظيمات سرية مارست الاغتيالات والتصفيات الجسدية، ولا تزال آثارها ماثلة في خطاب الجماعة حتى اليوم.

 الخطاب المزدوج: لغة ناعمة للخارج وتعبئة متطرفة للداخل

تتبنّى الحركة الإسلاموية خطابين متناقضين: خطاباً خارجياً منمقاً يتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وخطاباً داخلياً قائماً على التحريض والكراهية والعنصرية. هذا التناقض ليس تكتيكاً ظرفياً، بل يعكس أزمة أخلاقية عميقة، جعلت التنظيم عاجزاً عن المراجعة الحقيقية أو المصالحة مع العصر.

 التجربة السودانية: سنوات من الفساد والظلم وتفكيك الدولة

تجربة الحكم الإسلاموي في السودان كانت تجربة موغلة في السوء. شُوّه فيها الإسلام ذاته، وتحول إلى غطاء للقمع وبيوت الأشباح والحروب الأهلية. اقتصادياً، قاد التمكين والاحتكار وتشريد الكفاءات إلى انهيار العملة، وتراكم الديون، وبيع مؤسسات الدولة، ونهب الموارد. خارجياً، أُدخل السودان في عزلة خانقة وصُنّف دولة راعية للإرهاب.

الدولة الحديثة في مواجهة الإسلام السياسي: المواطنة بديلاً للوصاية الدينية

الدولة الحديثة تُبنى على المواطنة لا على ادعاء احتكار الدين. وكما قال الراحل محمد أحمد المحجوب، فإن وظيفة الحكومة ليست إدخال الناس الجنة، بل توفير حياة كريمة لهم. الإسلامويون قلبوا هذه المعادلة، فجعلوا الدين سلّماً للسلطة، وأفرغوا الدولة من مضمونها الوطني.

 سقوط الشرعية وانكشاف المشروع: لماذا لم يعد للإسلاموية مكان في مستقبل السودان

سقط المشروع الإسلاموي أخلاقياً وسياسياً لأنه فشل في تحقيق أبسط وعوده، ولأنه لم يعرف طريقاً للحكم سوى العنف والانقلاب والاستبداد. وعندما ثار الشعب، واجهته الجماعة بالحرب لا بالمراجعة. وبذلك انكشف القناع الحديدي، وتأكد أن هذا المشروع، سواء صُنّف رسمياً أم لا، هو مشروع إرعاب وفساد لا دولة. مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على خطاب ماضوي متطرف، بل على دولة مدنية ديمقراطية، تُعيد للدين مكانته القيمية، وللسياسة معناها الإنساني، وللمواطن حقه الكامل في وطن يسع الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!