رأي

عار الثوب.. ووقاحة الضمير!

دكتور عبدالله محمد ادم

 

د.عبدالله محمد ادم … كمبالا

في مشهدٍ يختزل مأساة الأمة السودانية العظيمة، بينما تدوي أصوات المدافع وتُزهق الأرواح في وطنٍ ينزف، نكتشف فجأة أن بعضنا يعتقد ان الخطر الحقيقي الذي يهدد ثورة ديسمبر المجيدة ليس قنابل الميليشيات ولا صمت العالم، بل.. ثوب فنان!

نعم أيها السادة، لقد كشف لنا نقاد الفضيلة الأشداء في منفانا الذهبي عن العدو الحقيقي: رجل خلع سترته على الخشبة! بينما أولئك الذين يخلعون جلود البشر في الشوارع، أولئك الذين يكشفون أحشاء الوطن يومياً يحظون ببراءة السكوت، بل وباحترام الواقعية السياسية

انها سخرية القدر.. وسخف النقاد ولطالما عرفنا أن مجتمعاتنا تمتلك موهبة فذة في إخراج مآسٍ هزلية من تراجيدياتنا التاريخية. لكن أن تتحول ثورة عظيمة، مثل ديسمبر، إلى نقاش عن أدب الثياب في المنفى، فهذا إبداع يفوق الخيال.

عندما يقف فنان مخلوعَ الظهر لكن مكشوفَ الضمير، يصرخ بجسده ضد آلة طمس الذاكرة، فيصيح النقاد : عورة! عورة!.أما عندما تُخلع الأطراف عن الأجساد في الخرطوم،فلا عورة ولا حياء! بل تعقيدات الوضع الميداني وخصوصية السياق!نستدعي أمثلة على التناقض الهزلي، فبعوضة تُحرم.. وإنسان يُستباح،و ها هم أولاء يصرخون إن قتل بعوضةٍ حرام، ثم يباركون محارق بشرية لأن الضحايا من الطرف الآخر، وعلي المسرح فنان عارٍ مؤقتاً فذلك فسق، و القتلة عارون من الإنسانية أبداً فذلك رأي سياسي.

يرون شعرة في الفن.. و يجهلون جبل في الأخلاق، يفحصون بعين الميكروسكوب ما إذا كشف الفنان شعرة زائدة، بينما يعبرون جبالاً من الجثث في نشرات الأخبار دون أن تحرك فيهم ساكنة. و كأن الإنسانية تتقلص لتصبح مسألة قماش، و الهم الوطني يتسع ليشمل مراقبة أزرار القمصان!وبعضهم في المنفى الانتقائي يهربون من وطن يُقتل فيه الناس بسبب أفكارهم، ليهاجموا في المنفى فناناً لأنه قدَّم فكراً بجسده ، يروا ان المنفى من الرصاص واجب، والمنفى من الثوب رذيلة!

مثل هؤلاء يتكلمون عن ثورة القشور،لذلك اخترعوا ثورة الموضة الأخلاقية!، ثورة تهتم بطول البنطال وعرض الحجاب، وتنسى عرض القبر الجماعي! ثورة تشجب الخلاعة الفنية و تتغاضى عن خلاعة السلطة التي تخلع البشر عن الحياة!عندما اصبح الثوب قضية قومية عندكم

أيها النقاد الفضلاء، لقد كشفتم لنا عن معجزة سودانية جديدة:معجزة القدرة على تقليص القضايا المصيرية إلى مقاسات أقمشة!بينما تطحن الحرب أبناءكم و إخوتكم، أنتم منهمكون في مراقبة ما يخلعه فنان على خشبة في بلد غريب. وكأن ثورة ديسمبر لم تكن تطالب بالحرية والكرامة والعدالة، بل كانت تطالب بـدستور للأزياء!

ان تاريخنا يكتب الآن بالدم، وأنتم تكتبون هوامشه بحبر الانتقاء الأخلاقي المريح، الدم غالٍ على أقلامكم، لكن شرف الثوب رخيص!

و في النهاية، لن يُسأل هذا الفنان يوم القيامةلماذا خلعت ثوبك؟ بل سيُسأل كثيرون منكم : لماذا خلعتُم الضمير عن أعينكم حينما خُلعت الأجساد من أرواحها؟”

و السخرية تكمن في أنكم تخشون عورة الجسد العابرة، ولا تخشون عورة الضمير الأبدية.

هدانا الله و اياكم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!