رأي

تحالف السودان التأسيسي: لحظة الخروج من قبضة الدولة العميقة

نجم الدين دريسة

رغم قسوة الحرب الدائرة في السودان، وتداعياتها المدمرة على الشعب بكافة مكوناته، إلا أنها كشفت الغطاء عن جوهر الأزمة السياسية التاريخية التي ظلت تنخر في جسد الوطن لعقود. فالحرب، بما أحدثته من زلزال في بنية الدولة، دفعت بالسودانيين نحو إعادة النظر بعمق في جذور معضلتهم الوطنية، بما يتجاوز السطح إلى لبّ الصراع الممتد منذ ما قبل الاستقلال.

فرغم الزخم الثوري الذي أحدثته ثورة ديسمبر المجيدة، فإن ماكينزمات الدولة القديمة – العميقة والمركزية – سرعان ما أعاقت مسار الانتقال الديمقراطي. وتجلّى ذلك بوضوح في سطوة الجيش السوداني، المؤسسة التي وُلدت من رحم الاستعمار قبل ميلاد الدولة نفسها، وظلت رهينة للتأثير المصري لعقود، أداة طيعة للانقلابات، وخنجراً مغروساً في خاصرة السيادة الوطنية.

سبعون عامًا مرّت، وفكرة الدولة الحديثة في السودان لم تكتمل، لا شكلًا ولا مضمونًا. لقد فُرضت مظاهر الحداثة قسرًا، دون أن ترافقها تحولات فكرية وروحية داخل المجتمع، فكانت النتيجة تشويهًا في الهوية، واستلابًا ثقافيًا، وتاريخًا مزيّفًا قاد إلى إنتاج دولة مأزومة، وشخصية وطنية متناقضة، متقوقعة داخل قوالب قبلية وطائفية وجهوية، على حساب مفهوم الاندماج القومي والمواطنة الجامعة.

إن غياب الاطر القانونية والأخلاقية للدولة أفسح المجال لانفلات الفوضى، وتصاعد انتهاكات الحقوق الأساسية، وبروز خطاب الكراهية والعنصرية والتمزق الاجتماعي – وهي جميعًا تهديدات وجودية تقف حجر عثرة أمام أي مشروع وطني جاد.

أما المؤسسات التي نشأت في ظل دولة ما بعد الاستقلال – من أحزاب وقوى سياسية وخدمة مدنية وجامعات – فقد أثبتت عجزها عن التأثير الإيجابي في المجتمع، وتحولت إلى طبقة طفيلية تتمتع بالامتيازات دون أن تقدم شيئًا ذا بال، بل أصبحت هي ذاتها أحد معوقات بناء الدولة، تتدثر زورًا بلقب “النخب”، بينما هي في حقيقتها مرتعٌ للفساد، وجسرٌ لاستمرار التبعية للخارج، وعالة على مقدرات الوطن وثرواته.

لكن من رحم هذا الواقع المأزوم، انبثق بصيص أمل في تحالف السودان التأسيسي، الذي يُعد أول كيان وطني جامع ينطلق من أرضية صلبة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة: العدالة، المساواة، التعدد، والاستدامة. يجمع التحالف بين قوى الكفاح المسلح، والكتل المدنية الناهضة، والفئات المهمشة تاريخيًا، وينحاز لصوت الشعوب السودانية بكل تنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي.

لقد وضع هذا التحالف ميثاقًا تأسيسيًا ودستورًا انتقاليًا يخاطب جذور الأزمة، ويتبنى مقترحات واقعية تعكس تطلعات الناس ومعاناتهم، لا وعودًا جوفاء كما دأبت عليه أنظمة النخب القديمة. إنه تحالف يمثل “الكتلة الحرجة”، أي تلك القوى الحية التي تمتلك أدوات التغيير الجذري في بنية الدولة، وقادرة على تجاوز تشوهات الماضي وبناء مستقبل يتأسس على قيم إنسانية راسخة: الحرية، السلام، العدالة، الكرامة، والعيش الكريم.

وسيظل يوم الثاني والعشرين من فبراير عام 2025، يوم الإعلان عن هذا التحالف، علامة فارقة في تاريخ السودان الحديث. إنه اليوم الذي قرر فيه السودانيون طي صفحة الزيف والقمع، والخروج من نفق الدولة الأوليغارشية، إلى أفق دولة ديمقراطية فدرالية علمانية، تقوم على المواطنة الكاملة كأساس للحقوق والواجبات.

إنه ميلاد مشروع وطني جديد… يستحق الاحتفاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!