
عبدالرحمن ابورندة .. بنسلفانيا
لم يعد مني أركو مناوي مجرد سياسي فاشل، بل أصبح نموذجًا مكتملاً لانهيار الأخلاق السياسية في السودان. فخطاباته المتكررة، المليئة بالتناقض والتهويم والكذب، لم تعد تثير الغضب وحده، بل باتت تثير السخرية والأسى معًا، لأنها تصدر عن رجل يتصرف بلا رؤية، بلا مشروع، وبلا حد أدنى من المسؤولية تجاه المجتمعات التي يدّعي تمثيلها.
إن أخطر ما في سلوك مناوي السياسي هو تحوله إلى سمسار حرب، يروّج للصراع حين تضيق به السبل، ويستدعي المجتمعات الأهلية كلما فشل في معاركه السياسية. دعوته الأخيرة لأهالي دار زغاوة لحمل السلاح ليست موقفًا شجاعًا كما يحاول تصويره، بل جريمة سياسية وأخلاقية مكتملة الأركان، لأنه يعلم أكثر من غيره أن لا تسليح، ولا تكافؤ قوى، ولا أفق نصر، وإنما محرقة جديدة يدفع ثمنها الأبرياء.
مني أركو مناوي لا يتحدث كقائد، لأن القائد لا يكذب أهله، ولا يزج بهم في معركة خاسرة ثم يلوذ بالمناصب والمكاتب الآمنة. هو يتحدث كـ مرتزق سياسي، يتبضع في سوق التحالفات، ينتقل من معسكر إلى آخر وفق سعر اللحظة، بلا ثبات ولا مبدأ. منذ دخوله المشهد العام، ظل الرجل رهين النزعة الانتهازية، يوقّع على الاتفاقات ثم ينقلب عليها، يرفع الشعارات ثم يدوسها عند أول اختبار.
إن من أكثر مظاهر الانحطاط السياسي فداحة هو اعتماد مناوي على الخطاب العشائري الضيق في بلد متعدد الأعراق والثقافات. رجل عاجز عن التفكير بعقل الدولة، فيلجأ إلى شحن الهويات، وبث الإشاعات، ونسج الأكاذيب، وافتعال العداوات، لأنه لا يملك أدوات السياسة الحديثة ولا لغة المشروع الوطني. لهذا يبدو دائم الصدام، دائم التناقض، دائم الارتهان للآخرين.
وليس خافيًا على أحد أن مناوي ظل يغيّر مواقفه كما يغيّر جلده. ينام على موقف ويصحو على نقيضه. يتحدث عن رفضه للتحالف مع فلول النظام، ثم نجده يقاتل في صفوف نفس الجماعات التي ظل يلعنها صباح مساء. يدّعي العداء للإرهاب، ثم يتحالف مع كتائب الهوس الديني. يرفع راية الثورة، ثم يكون جزءًا من كل مؤامرة لإجهاضها. هذا ليس ذكاءً سياسيًا، بل تخبّط مرضي لرجل فقد بوصلته منذ زمن.
الأدهى من ذلك، أن مناوي يحاول غسل تاريخه السياسي المليء بالفشل عبر شيطنة الآخرين، وإطلاق اتهامات باطلة، واللعب على وتر الإبادة والتطهير العرقي كلما ضاقت به السبل. يفعل ذلك هروبًا من الحقيقة البسيطة: أنه لم يحقق لمجتمعه أمنًا، ولا تنمية، ولا كرامة، رغم كل الفرص التي أُتيحت له. بل إن اسمه اقترن بالانتهاكات، والفساد، وسرقة الموارد، والاتجار بقضايا الناس.
مني أركو مناوي هو مثال صارخ للسياسي الذي يرى في المجتمع مجرد وقود لمعاركه الشخصية. لا يتردد في دعوة الشباب للموت، بينما هو يتقلب بين الفنادق والمكاتب، يراكم الامتيازات، ويبحث عن صفقة جديدة. هذا السلوك لا يمت للقيادة بصلة، بل ينتمي إلى عالم أمراء الفوضى الذين لا يعيشون إلا في أجواء الدم والخراب.
لقد وعت مجتمعات دارفور، وبالأخص دار زغاوة، هذا الدرس جيدًا. لم تعد تلك المجتمعات مستعدة لأن تُستخدم دروعًا بشرية لأحلام رجل فاشل. لم تعد تقبل أن تُستغل باسم النضال، بينما الحصيلة دائمًا تهجير، قتل، ودمار.
التاريخ لن يرحم مني أركو مناوي، لأنه اختار أن يكون جزءًا من المشكلة لا من الحل، وجزءًا من الفوضى لا من الدولة، وجزءًا من تجارة الحرب لا من مشروع السلام. وكل محاولاته لتجميل صورته بخطابات جوفاء لن تغير حقيقة واحدة:
أن القبح السياسي مهما طال عمره، لا يمكن أن يصير وطنًا.




