رأي

إعلام الفتنة: كيف يُسرق موقفك ضد الحرب؟

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

في كل الحروب، لا تُدار المعارك بالبندقية وحدها، بل بالكلمة أيضًا. وفي الحالة السودانية، يلعب الإعلام الكيزاني والبلابسة دورًا خبيثًا في إدارة حرب موازية، حرب على الوعي والموقف، هدفها الأساسي ليس إقناعك، بل استفزازك، ودفعك خطوةً خطوة بعيدًا عن تمركزك الأخلاقي والسياسي الحقيقي: موقفك الواضح ضد الحرب، وضد طرفيها معًا.

هذا الإعلام لا يسعى إلى الحوار، ولا يبحث عن الحقيقة، بل يتغذى على الاستفزاز. منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي ليست آراءً عفوية، بل أدوات مدروسة، صُممت لتستدرجك إلى رد فعل، لا إلى موقف. يريدك أن تغضب، أن تنفعل، أن تنزلق من موقعك الطبيعي كرافض للحرب إلى موقع آخر يُستخدم لاحقًا ضدك.

الاستفزاز كأداة سياسية

يعتمد الإعلام الكيزاني على معادلة بسيطة وخطيرة في آنٍ واحد:

إذا لم تستطع كسب الناس، فادفعهم إلى التطرف في الاتجاه المقابل، ثم اتهمهم به.

لهذا نراه يملأ المنصات باتهامات متكررة ومباشرة:

القوى المدنية هي من أشعلت الحرب.

دعاة السلام متواطئون أو مأجورون.

الثوار واجهة سياسية لأحد أطراف النزاع.

هذه الاتهامات ليست وليدة اللحظة، بل جزء من خطاب يستهدف ضرب الموقف “ضد الحرب” في جوهره، وتحويله من موقف أخلاقي جامع إلى اصطفاف سياسي قابل للتشويه والتخوين.

كيف يُسقطك هذا الإعلام؟

الخبث الحقيقي لا يكمن في الكذبة نفسها، بل في دفعك لتبنّي خطاب نقيض لخطابهم. كثير من الثوار ودعاة السلام، تحت ضغط الاستفزاز المستمر، انزلقت لغتهم من رفض الحرب إلى تبرير أحد أطرافها، أو الصمت عن جرائمه، أو استخدام مفردات تُحسب عليه.

وهنا تقع الفخاخ الكبرى:

حين ترد على إعلام الفتنة بلغة كراهية، تصبح جزءًا من منطقه.

حين تنفعل، تفقد دقة موقفك وحدوده الأخلاقية.

حين تنحاز، ولو لغويًا، تمنحهم ما يسعون إليه: صورة “العدو” الذي يمكن شيطنته أو تصفيته دون مساءلة.

وهكذا يتحول الرافض للحرب، دون أن يشعر، إلى مادة خام في ماكينة الدعاية الحربية.

تشويه الموقف الأخلاقي

موقف “ضد الحرب” هو أخطر موقف على أطراف النزاع كافة، لأنه يسحب منهم الشرعية معًا. لذلك يعمل إعلامهم بلا كلل على تشويهه، إفراغه من معناه، وتصويره كرمادية، أو خيانة، أو اصطفاف خفي.

الحقيقة التي يحاولون طمسها هي أن أطراف الحرب لا يمثلون أي قيمة أخلاقية. لا يوجد بينهم طرف نظيف أو مشروع، بل منظومات عنف، وجرائم تمشي على الأرض، تتغذى على الدم والدمار. وكل أبواقهم، مهما اختلفت شعاراتها، تصب في اتجاه واحد: استمرار الحرب.

من سقط في الفخ؟

سقط كثيرون، ليس لأنهم سيئون أو بلا وعي، بل لأن الاستفزاز متواصل، ولأن الغضب مشروع في وجه المجازر والقتل. لكن النتيجة واحدة: خطاب مرتبك، موقف مهزوز، وخصم مستفيد.

الإعلام الكيزاني لا يخاف من شتيمتك، ولا من غضبك، بل يخاف من ثباتك. يخاف من أن تظل في موقعك الصحيح: ضد الحرب، ضد القتل، ضد كل من حمل السلاح على حساب الوطن والمواطن.

كيف نُفشل هذا الخبث؟

إفشال إعلام الفتنة لا يكون بمجاراة لغته، بل بكشف منطقه.

لا يكون بالانفعال، بل بالوعي.

ولا يكون بالاصطفاف، بل بالتمسك الصارم بالهدف الأساسي: وقف الحرب، وهزيمة منطقها، ومحاسبة صانعيها.

على المؤمنين بالسلام أن ينتبهوا: كرهك للكيزان والبلابسة مفهوم، لكن تحويل هذا الكره إلى خطاب يبعدك عن نقطة تمركزك هو انتصار مجاني لهم. ثباتك على موقفك هو التهديد الحقيقي لهم، وليس صراخك في ساحاتهم.

في النهاية، الحرب لا تعيش إلا على الاستقطاب، والإعلام الضلالي ليس سوى وقودها اليومي. أما الوعي، فهو السلاح الوحيد القادر على كسر دائرتها، وحماية الموقف الأخلاقي من السرقة والتزييف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!