
علي سانتينو
ما يطرحه أركو مناوي اليوم ليس خطاب سياسي، ولا خطاب حركة تدّعي أنها وُلدت من رحم المظلومية الوطنية. ما يطرح هو ارتداد فجّ إلى ما قبل الدولة، وانكفاء على هوية ضيقة تُقدَّم بكل وقاحة على إنها مشروعاً عاماً. فقد خرج رئيس تحرير السودان وحاكم دارفور المزعوم بلغة واحدة موجّهة لقبيلة واحدة، وبهذا الخطاب فهو لا يخون فكرة السودان، هو يفضح الخواء السياسي والعجز عن التفكير خارج الحواكير وحدود العشيرة!
بهذا الخطاب الانكفائي لم يعد مناوي قائد حركة، بقدر ما عاد متحدثاً باسم دائرة اجتماعية صغيرة، ويظن أن تكرار الخطاب القبلي سيعوض غياب الرؤية. وللمرة الثالثة دون اي مصادفة او زلة لسان، يختار هذا الرجل لغة الزغاوة في خطاب عام، وكأن السودان كله اختُزل في مجلس عشيرة الزغاوة، ودماء المقاتلين غير الزغاوة في حركته مجرّد تفاصيل لوجستية لا تستحق حتى الإعتراف. هذا السلوك لا يعكس اعتزازاً بالهوية بقدر ما يكشف فقراً في الخيال السياسي وضيقاً في الأفق لا يتجاوز زعيم قرية!
ان أخطر ما في خطاب أركو مناوي ليس اللغة لكن ما وراءها. فلم يعد خطاب بريئًا، بل كان انتقائي وإقصائي، ومحمّل برسائل مغلقة، وكأنه يوضح ان هذه الحركة لم تعد وطنية بقدر ما عادت قبلية. وهنا يصبح مانفستو تحرير السودان ورقة قديمة، وتضحيات القادة والجنود من المكونات الأخرى مجرد حواشي منسية. برب الناس أي قائد هذا الذي لا يرى في رفاقه سوى ظلال، ويخاطب شعوبه بلغة القبيلة؟ حيث صارت شخصية مناوي السياسية باهتة، بلا ملامح فكرية، تعيش على الانتهازية لا على المشروع. قفز بلا تردد من معسكر الهامش إلى موائد الإسلاميين، وبلا أي خجل سياسي، وتحالف مع من دمّروا السودان ثم عاد ليتحدث عن قضايا السودان وكأنه لم يكن شريكاً في خرابة. هذه ليست براغماتية، هذا ارتزاق سياسي فجّ، يُدار بعقلية السوق!
ثم تأتي فضيحة الارتهان. فاليوم لا يتحدث مناوي كقائد مستقل، كما يتحدث صوت مُلحق بمحاور خارجية، حيث يتقاطع خطابه مع حسابات المخابرات المصرية أكثر مما يتقاطع مع آلام السودانيين. وكيف لرجل يفترض أنه خرج لتحرير السودان، إذا به يسلّم قراره ويقايض قضيته، ويستبدل البوصلة الوطنية بإشارات من الخارج!
ومن السخرية المؤلمة أن يتحدث أركو مناوي عن القضية وهو لا يرى السودان إلا من قبيلة الزغاوة، يتحدث عن التحرير بعقلية أسيره، ويتقمص دور القائد بينما ممارساته لا تتجاوز عقلية شيخ حِلّة يفاوض على النفوذ الاجتماعي. هكذا يُختزل التاريخ وتُهان التضحيات، وتتحول تحرير السودان من مشروع تغيير إلى أداة مساومة! المشكلة في النهاية ليست في لغة الخطاب القبلي لمناوي، بل في العقل الذي ينتجها، هو عقل عشائري وانتهازي ومحدود، لا يصلح لقيادة حركة تدعي التحرر ولا لبناء وطن جامع للناس. وسيظل السودان أكبر من أركو مناوي، وأوسع من قبيلته، وأعمق من حساباته الضيقة. ومن لا يستطيع مخاطبة شعب متعدد الأعراق لا يستحق أن يدّعي تمثيله.




