
أبو عبد الله الراشدي
ظلّ شعار «العسكر للثكنات والجنجويد ينحل» يتردّد في ساحات وميادين ثورة ديسمبر المجيدة، وجرى ترديده لاحقًا في مناسبات وذكريات سياسية مختلفة، حتى بات عند البعض من المسلّمات الثورية التي لا يجوز الاقتراب منها أو مساءلتها. غير أن السؤال الجوهري الذي تجاهله كثيرون عن قصد أو عن غفلة هو: من هم الجنجويد أصلًا؟ وأين يتموضعون؟ وهل ما زالوا كيانًا قائمًا بذاته حتى يُطالَب بحلّه؟
إن هذا الشعار، على ما يبدو من بساطته وجاذبيته الهتافية، يخفي وراءه إشكالًا معرفيًا عميقًا وانزلاقًا مفاهيميًا خطيرًا، بل يمكن القول دون مبالغة إنه شعار مُدسوس على الوعي الثوري، جرى تمريره بلا تدقيق، وتبنّاه بعض المدنيين بلا هدى ولا وعي، فاختلطت المفاهيم وتشوهت الحقائق، وجرى استبدال التحليل السياسي الجاد بشعارات عاطفية لا تصمد أمام أبسط مراجعة تاريخية.
من هم الجنجويد؟ جذور النشأة والسياق التاريخي
للجنجويد تاريخ محدد وزمان معروف وسياق سياسي واضح. فهم لم يولدوا مع ثورة ديسمبر، ولا نشأوا في العقد الأخير، بل تعود جذورهم إلى بدايات الألفينيات، إبّان اشتعال حرب دارفور. وقد نشأت هذه المليشيات برعاية مباشرة من استخبارات الجيش السوداني، التي برعت منذ عقود في سياسة «تفريخ المليشيات القبلية» لمواجهة الحركات المسلحة.
في تلك الفترة، كانت بعض الحركات التي تشكّلت في دارفور—وأبرزها ما كان يُعرف آنذاك بحركة تحرير دارفور—تقوم على أسس عنصرية بحتة، وناصبت القبائل العربية العداء، ما أوجد تناقضات اجتماعية استثمرتها السلطة المركزية بذكاء شيطاني. وبدل معالجة جذور الأزمة سياسيا وتنمويا، لجأ النظام إلى تسليح مجموعات قبلية تحت مسمى غير رسمي، هو «الجنجويد»، لاستخدامها كأداة قذرة لقمع التمرّد، مع الاحتفاظ بمسافة إنكار سياسي وأخلاقي.
وكان يشرف على هذه العملية عدد من قادة المؤسسة العسكرية والأمنية من الإسلاميين، في مقدمتهم الفريق عوض ابن عوف، والفريق محمد أحمد الدابي، وأحمد هارون، وآخرون، من بينهم عبد الفتاح البرهان نفسه. هؤلاء هم مهندسو مليشيات الجنجويد الحقيقيون، وهم من يفترض أن يُسألوا ويُحاسبوا جنائيًا وأخلاقيًا، لا أن يُعاد تدوير المفهوم لغايات سياسية لاحقة.
قوات الدعم السريع… النشأة القانونية والاختلاف الجوهري
السؤال الموضوعي الذي يفرض نفسه هنا: ما علاقة تلك المليشيات غير النظامية بقوات الدعم السريع؟
الحقيقة التي لا تقبل الجدل أن قوات الدعم السريع كيان مختلف من حيث النشأة والإطار القانوني والوظيفة السياسية. فقد أُنشئت هذه القوات في العام 2013 بموجب قانون، ثم صادق البرلمان السوداني في العام 2017 على قانونها، لتعمل تحت إمرة القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وبموجب هذا الإطار، لم تكن قوات الدعم السريع «مليشيا سائبة»، بل قوة ذات وضع قانوني محدد داخل بنية الدولة، بغض النظر عن الملاحظات والنقد المشروع لأدائها أو تركيبها. كما أن معظم منسوبي هذه القوات اليوم هم شباب في العقدين الثاني والثالث من أعمارهم، لم يولدوا أصلًا خلال فترة صناعة الجنجويد، ولا يمكن منطقيًا ولا قانونيًا تحميلهم مسؤولية جرائم سابقة على وجودهم.
إن الخلط المتعمد بين الجنجويد التاريخيين وقوات الدعم السريع الحديثة ليس مجرد خطأ مفاهيمي، بل تزوير للتاريخ، وتبسيط مخلّ يعفي الجناة الحقيقيين من المساءلة، ويحمّل الضحايا وأبناء الهامش وزر جرائم لم يرتكبوها.
انحياز مبكر للثورة ودور مفصلي في ديسمبر
من الحقائق التي يتجاوزها خطاب «الجنجويد ينحل» أن قوات الدعم السريع انحازت باكرًا لثورة ديسمبر، وكان لهذا الانحياز دور حاسم في نجاحها. ففي لحظة تاريخية فارقة، اختارت هذه القوات الوقوف إلى جانب الشارع، لا النظام الآيل للسقوط، وأسهم ذلك في إزاحة عمر البشير، وفتح الباب أمام مرحلة انتقالية مدنية.
ولا يمكن قراءة هذا الموقف خارج سياقه السياسي؛ إذ كان انحياز الدعم السريع انعكاسًا لتحوّل في موازين القوى داخل الدولة، ومحاولة لكسر احتكار الإسلاميين للمؤسسة العسكرية والأمنية. وقد تعزّز هذا المسار لاحقًا عبر مشاركة قائدها الفريق أول محمد حمدان دقلو في قيادة المرحلة الانتقالية، وتوليه ملفات حساسة، أبرزها الملف الاقتصادي وملف السلام، الذي أفضى إلى اتفاقية جوبا.
من الانقلاب إلى القطيعة… حين تكشّف المشروع الإسلامي
بلغ هذا المسار ذروته بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021. فعلى عكس ما يروّج له بعض الخطاب التبسيطي، نفضت قوات الدعم السريع يدها عن الانقلاب بعد يوم واحد فقط، حين تبيّن لها أن الانقلاب تقوده وتديره جماعات الإخوان المسلمين المتغلغلة داخل القوات المسلحة، بهدف العودة الكاملة إلى السلطة وإجهاض أي أفق للتحول المدني.
وقدّمت قيادة الدعم السريع اعتذارًا صريحًا للشعب السوداني، وأعلنت موقفها المؤيد للاتفاق الإطاري، الذي صُمم كوثيقة للخروج من الأزمة السياسية، ونال دعم قوى الثورة والمجتمع الدولي، ونصّ بوضوح على عودة العسكر إلى الثكنات كل العسكر وخروجهم من السياسة والاقتصاد، وتسليم السلطة للمدنيين.
هنا تحديدًا، تحوّلت قوات الدعم السريع إلى خطر وجودي على مشروع الإسلاميين، ليس لأنها «تمردت»، بل لأنها انحازت لمسار التحول المدني، وهددت استمرار المشروع السلطوي الذي قام على الدم والإقصاء.
حرب 15 أبريل… معركة على الثورة لا على السلطة
اندلاع حرب 15 أبريل 2023 لم يكن صراعًا عسكريًا تقليديًا بين قوتين متكافئتين، بل كان—في جوهره—محاولة لإجهاض الثورة واستعادة الدولة المختطفة. فقد سعى الإسلاميون، عبر ما تبقى لهم من نفوذ داخل الجيش، إلى تصفية قوات الدعم السريع، بوصفها العقبة الأكبر أمام عودتهم المطلقة إلى الحكم.
لقد أرادوا حربًا قصيرة تحسم الأمر لصالحهم، فإذا بها تتحول إلى كارثة وطنية دفعت ثمنها الشعوب السودانية من دمائها ومقدراتها. وهي حرب كشفت، مرة أخرى، أن المشروع الذي يدّعون الدفاع عنه لم يجلب للسودان سوى الانقسام والتشظي الاجتماعي والانهيار الأخلاقي.
«الجنجويد ينحل»… حين يصبح الشعار أداة للوعي الزائف
أكثر ما يثير القلق أن شعار «الجنجويد ينحل» ما زال يُردّد حتى اليوم، بعصبية وهستيريا سياسية، من قِبل قوى مدنية تعلم—أو يفترض أن تعلم—أنه لا وجود للجنجويد إلا في مخيالها السياسي. فالجنجويد ككيان تاريخي انتهوا، وما تبقى هو دولة فشلت في محاسبة من أنشأوهم واستخدموهم.
كان الأجدر بهذه القوى أن تطالب بتسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، أولئك الذين خططوا وأشرفوا ومولوا جرائم الحرب والإبادة. لكن للأسف، وقف كثيرون مع الجلاد، ورفضوا العدالة بدعاوى عنصرية بغيضة، مرددين شعار «جلدنا ما بنجر فيهو الشوك»، في تجلٍ صارخ لعقلية نخبوية مركزية ما زالت ترى شعوب الهامش أقل قيمة وأقل استحقاقًا للحياة.
إن هذه العقلية هي جوهر الأزمة السودانية. عقلية تحتكر السلطة والثروة والعنف والقرار السياسي، وترتهن الخارج، وتستسهل التضحية بالهامش للحفاظ على امتيازاتها التاريخية.
نحو وعي جديد بلا شعارات جوفاء
إن معركة السودان الحقيقية ليست بين «عسكر» و«جنجويد»، بل بين دولة مركزية إقصائية ومجتمعات تطالب بالعدالة والمواطنة المتساوية. وما لم نتحرر من الشعارات المدسوسة، ونُخضع تاريخنا القريب لمراجعة صادقة، فسنظل نعيد إنتاج المأساة بأسماء مختلفة.
العسكر نعم، إلى الثكنات.
أما الجنجويد، فمكانهم الحقيقي في كتب التاريخ وملفات العدالة، لا في هتافات بلا معنى تُضلل الوعي وتخدم أعداء الثورة أكثر مما تخدمها.




