رأي

مِنَ الخَرْطُومِ إِلَى القَرْنِ الأَفْرِيقِيِّ: بَصَمَاتُ مِصْرَ عَلَى خَرَائِطِ الفوضى  

د.خالد عبيد، ،لندن

 

د.خالد عبيد ..لندن

لم يعد خافيًا على القاصي والداني أن مصر الرسمية باتت لاعبًا تخريبيًا في الإقليم، لا يحكمه وازع أخلاقي أو التزام بالقانون الدولي، بل تحرّكه مصالح ضيقة ونزعة هيمنة تاريخية، مع استعداد دائم لاستخدام الجماعات المسلحة والأنظمة الوظيفية كأدوات لتنفيذ أجندتها، ولو كان الثمن دماء المدنيين واستقرار الدول. هذا التحول لم يعد محل همس في الكواليس، بل أصبح موضوعًا مطروحًا في تقارير ومداولات سياسية تتناول أثر السياسات الإقليمية للقاهرة وانعكاساتها على محيطها المباشر.

تُعدّ مصر، وفق هذا الطرح، شريكًا في الجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين السودانيين منذ اندلاع النزاعات في جنوب السودان وجبال النوبة ودارفور والجزيرة أبا، وصولًا إلى أحداث الخامس عشر من أبريل الأخيرة. ويُنظر إلى هذا التورط باعتباره نهجًا ممنهجًا تجسّد في أشكال متعددة من الدعم العسكري والسياسي واللوجستي للجيش السوداني ، ما أسهم في استهداف المدنيين على أسس عرقية وجهوية، في انتهاك صريح للمواثيق الدولية. كما تُتداول اتهامات بتخصيص مهبط لطائرات مسيّرة في مزرعة قرب جبال العوينات، يُقال إنها استُخدمت في استهداف الثروة الحيوانية والمرافق الصحية وقوافل الغذاء التابعة للأمم المتحدة، إضافة إلى أسواق في دارفور وكردفان، في سياق يُفهم منه السعي إلى تدمير سبل عيش المواطنين وإضعاف البنية المجتمعية.

وتبرز كذلك رعاية القاهرة لعدد من قادة الحركات المسلحة في دارفور، من بينهم جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي، بوصفها دليلًا إضافيًا على هذا المسار. فالدعم، بحسب هذا التصور، لم يقتصر على الاحتضان السياسي، بل شمل غطاءً عسكريًا تعززه شواهد ميدانية، من بينها ظهور مدرعات مصرية الصنع مثل «كشكش» في مسارح العمليات، باعتبارها مؤشرًا ماديًا على حجم التسليح والدعم المقدم.

ولا يتوقف المشهد عند حدود السودان، إذ يُقال إن القاهرة تمد أذرعها إلى فضاء القرن الأفريقي في سلوك يرقى إلى تصدير الفوضى عبر الحدود. فقد أشارت تقارير إعلامية إلى مساعٍ لنسج علاقات مع حركة الشباب الصومالية المصنفة جماعة إرهابية، بما يشكل تهديدًا للأمن الإثيوبي واستقرار الإقليم بأسره. كما تُوجَّه اتهامات بمحاولات خلق معارضة مسلحة في تشاد، والتدخل في جنوب السودان، والسعي إلى تأجيج توترات بين إريتريا وإثيوبيا، إضافة إلى الانخراط في المشهد المعقد في جنوب ليبيا. ويُنظر إلى هذا النهج باعتباره توظيفًا لجماعات مسلحة كورقة ضغط إقليمي، ما يكشف تناقضًا بين الخطاب المعلن حول مكافحة الإرهاب والممارسات على الأرض..

يبقى سؤال المساءلة حاضرًا بإلحاح: هل سيواصل المجتمع الدولي مكافأة مصر عسكريًا وسياسيًا رغم الاتهامات الموجهة إليها بدور يهدد الأمن والسلم الدوليين؟ إن سياسة الدعم دون اشتراطات صارمة تبدو عاجزة عن إحداث تغيير حقيقي. ويبرز هنا مطلب موقف دولي أكثر حزمًا يضع حدودًا واضحة لأي تجاوز، ويدفع نحو احترام القانون الدولي والكف عن استخدام الجماعات المسلحة كأدوات نفوذ.

إن تحقيق سلام حقيقي في السودان أو استقرار دائم في القرن الأفريقي يظل، وفق هذا الطرح، رهينًا بوجود مساءلة واضحة لمصر المتورطة في نزاعات الدول المحيطة بالسودان ، . فالمحاسبة ليست فعل انتقام، بل شرط أساسي للعدالة وضمانة لعدم تكرار المآسي، وأي تجاهل لهذا المبدأ لن يؤدي إلا إلى تعميق دوائر العنف وإطالة أمد عدم الاستقرار في المنطقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!