
عبد الرحمن أبورندة.. بنسلفانيا
بعد سبعة عقود من الاستبداد والتمركز السلطوي، ظل السودان يعيش صراعات متكررة بين المركز والهامش، بين الدولة والمجتمع، وبين النخب والشعوب. التاريخ السوداني يثبت أن الاعتراف بالآخر ليس خيارًا بل ضرورة؛ وأن أي مشروع سياسي يستمد شرعيته من الدين أو العرق محكوم عليه بإعادة إنتاج العنف والفشل.
الدروس العالمية لمن خرجوا من حروب أهلية أو انهيارات بنيوية تقول شيئًا واضحًا: النجاح لا يأتي من التجانس، بل من تحويل المواطنة إلى أساس للشرعية. الدولة لا تُبنى على الانتماءات الجزئية، ولا على سيادة جماعة واحدة على حساب الآخرين، بل على عقد اجتماعي يضع كل فرد في مركزه المتساوي.
في السودان، هذا يعني أن الدولة الجديدة يجب أن تقوم على مفهوم المواطنة الكاملة: حقوق وواجبات لكل السودانيين، لا مشتقة من الدين أو العرق أو الجهة السياسية، بل من الانتماء للدولة نفسها. كل سوداني—مهما كانت هويته القبلية أو الدينية أو السياسية—يجب أن يرى نفسه شريكًا متساويًا في بناء الدولة، لا كضيف أو أقلية محتملة، ولا ككائن مستبعد من القرارات الوطنية.
هذا التوجه يستلزم التوافق على هوية سودانوية جامعة، تعترف بتعدد الانتماءات، لكنها تخرج جميعها من منطق الامتياز السياسي، وتمنع أي جهة من احتكار السلطة باسم الدين أو العرق أو الانتماء الضيق. وهنا يظهر دور الفصل الواضح بين الدين والسياسة: لا عداء للدين، بل حماية له من التوظيف، وحماية للسياسة من التقديس. لا أحزاب دينية، ولا جيوش عقائدية، ولا مليشيات مؤدلجة تحت سيطرة جماعة الهوس الديني.
في بلد معقد مثل السودان، الحكم المركزي الصلب وحده ليس الحل. اللامركزية شرط للبقاء والوحدة. أن يحكم كل إقليم نفسه ضمن إطار دولة قومية واحدة، على أساس شراكة طوعية لا قسرية، هذا ما يضمن الانتماء ويحد من التمرد. الدولة التي تُدار بالقوة تنتج الثورة والعنف، بينما الدولة التي تُدار بالشراكة تنتج الانتماء والوفاء الاجتماعي.
وأخيرًا، لا ديمقراطية بلا اقتصاد عادل. الاقتصاد الريعي المركزي هو سبب آخر لفشل الدولة لسبعة عقود: لقد حول السلطة إلى موزّع امتيازات، بدل أن تكون منتجًا للفرص والتنمية. إعادة توزيع الثروة، وربط التنمية بالأقاليم، وتحويل الدولة إلى خدمة وليست مصدر امتياز، هي شروط الاستقرار والنجاح.
السودان الجديد ليس حلمًا بعيدًا، لكنه يتطلب مواطنة جامعة، شراكة حقيقية، فصل الدين عن السياسة، والاقتصاد العادل. كل هذه العناصر مجتمعة فقط يمكن أن تبني دولة تتجاوز عقود العنف، وتمنح كل سوداني شعورًا بالانتماء، وتحمي المستقبل من العودة إلى دوامة الصراعات القديمة.



