قرناص… بوابة الغسيل القذر (الحلقة الرابعة) ماكينة الفساد الأممي: كيف تحوّل السودان ومالاوي إلى حقل تجارب لغسل أموال المانحين؟
نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة
لم يكن السودان يومًا مجرّد بلد متلقٍّ للمنح، بل تحوّل — تحت وطأة عبث المنظمات الدولية وشبكات القطاع الخاص المتحلّقة حولها — إلى سُلّم تُداسُ عليه المعايير، ومختبر تُجرَّب فيه أسوأ صيغ “التنمية” المشوّهة. فالمعونة التي وُلدت ذات يوم بدافع العمل الإنساني، لم تعد اليوم سوى أداة مالية تُدار ببرودٍ بنكيّ، بينما يتحول المواطن إلى رقمٍ في معادلة لا يُراد لها أن تنتج شيئًا سوى مزيد من الاعتمادية والتدهور المؤسسي.
والخبر الذي نبدأ به ليس استثناءً، بل نقطة في سلسلة ممتدة: ملف الإيفاد IFAD، مديرة أميرة قرناص المصرية، مشروع الـ Data، ومن وراءه الحلقات المتشابكة بين مؤسسات التمويل والمنظمات والقطاع الخاص. لم تعد هذه المؤسسات تعمل بمعزل عن بعضها؛ إنها شبكة واحدة تُدوَّر فيها أموال المانحين بطريقة تجعل التدقيق مستحيلًا والمحاسبة معدومة. المشاريع تُمنح لمقاولين دوليين أو شركات “خاصة” محلية تُنشأ خصيصًا لاقتسام الغنيمة، بينما تُسجَّل القروض — في نهاية المطاف — على ظهر الخزينة السودانية.
هكذا يصبح السودان ومالاوي وبلدان أخرى سلّة واحدة: دول هشّة تُستخدم كقنوات لتصريف أموال المانحين، بينما تتحوّل المنظمات إلى واجهات لصفقات تكميلية بين البنوك الكبرى، وشركات الاستشارات، وموظفين دوليين ينتقلون من مهمة لأخرى كأنهم موظفو شركة واحدة.
كثيرون استغربوا عندما أوقف ترامب المساهمات الأمريكية في بعض المنظمات الأممية، ورأوه قرارًا متهورًا. لكن الحقيقة أنه لم يكن قرارًا سياسيًا عبثيًا؛ الرجل — على فظاظته — كان يعرف أن هذه المؤسسات تحوّلت إلى ماكينة فساد وبزنس لا علاقة لها بالعمل الإنساني. كان يعرف أن “المساعدات” لا تصل إلى الشعوب، وأنها تُستخدم لإدامة البيروقراطيات الضخمة التي تستهلك أكثر مما تنتج، وتُبقي الدول الضعيفة في حالة شلل دائم.
ومن نيويورك، حيث تُدار البعثات الأممية، يبدو الفساد — بطبيعة الحال — مرتبطًا بنظام المشتريات الذي يُشكّل قلب تلك البيروقراطيات، بينما تمرّ التدفقات المالية عبر النظام الفدرالي الأمريكي، فيتضح للخبراء أن المناقصات والتحويلات إلى الشركات ليست دائمًا بالبراءة المعلنة. كل ذلك ينسجم مع منطق واحد: شبكات النفوذ تعرف كيف تتحرك، ومن يراقب يعرف تمامًا أين تختفي الأموال.
غير أن المأساة السودانية تتجاوز فساد المؤسسات الدولية؛ فهذه المؤسسات — في البلدان ذات البنية الضعيفة — تفعل ما هو أخطر: تهدم المؤسسات الوطنية، تعطل التنمية، تفسد الكوادر، وتقعد البلد عن النهوض.
فما الذي يحدث حين تُصبح الوظائف الأممية أعلى دخلًا وأقوى نفوذًا من الوظائف الحكومية؟ يحدث أن يفرغ الداخل من الخبراء الحقيقيين، وتتحوّل الكفاءات إلى وسطاء لمشاريع أجنبية بدل أن تكون بناة لمؤسسات وطنية. وما الذي يحدث حين تُدار المشاريع “التنموية” بمعايير المانحين لا بحاجات المواطنين؟ يحدث أن يموت التخطيط الوطني، ويصبح السودان مجرد فضاءٍ مفتوح تُجرَّب فيه مشاريع “نموذجية” لا تعيش أكثر من عمر التقرير الذي كُتِب لتسويقها.
هكذا اكتملت الدائرة: منظمات أممية تموّل القطاع الخاص، قطاع خاص يوظّف المنظمات، بنوك دولية تُعيد تدوير الدين، وحكومات ضعيفة تقف على الهامش. والنتيجة؟
بلدان تُستنزَف مرتين: مرة حين تستدين باسم “التنمية”، ومرة حين تُقمع طاقاتها الحقيقية تحت وطأة المشاريع المستوردة.
لابد أن يفتح هذا الملف بصراحة، وأن يسأل: ما جدوى المساعدات التي تُنفق على الورق أكثر مما تُنفق على الأرض؟ ما جدوى “التمكين الأممي” إذا كان يفكك المؤسسات ويحيلها إلى ظلال بيروقراطية؟ وما جدوى التنمية التي ترفع تقاريرها إلى نيويورك، بينما تترك الخراب في كوستي ونيالا وكادقلي؟
لقد آن للسودان أن يخرج من هذا الطور البائس: طور الدولة التي يُعاد تشكيلها من الخارج بينما يتآكل داخلها من فرط الارتهان. فماكينة الفساد الأممي لن تتوقف لأنها لم تُبنَ أصلًا لتتوقف، والقطاع الخاص الطفيلي لن ينكفئ لأنه لا يعرف معنى الحدود، والمنظومات الدولية لن تعيد النظر في ذاتها لأنها تجد في هشاشتنا أفضل بيئة لدوامها.
ما يتغيّر — فقط — هو ما نقرّره نحن.
إما أن نكسر الحلقة التي تدور فينا لا حولنا،
وإما أن نظل بلدًا تُصاغ خرائطه في مكاتب الآخرين وتُدفن أحلامه في تقاريرهم. والأمم التي ترتضي أن تعيش كملحقاتٍ في دفاتر المانحين، لن تقف يومًا على قدميها.
ختامًا، ماكينة الفساد الأممي لا تعمل دون “محركات محلية”. والسودان لم يكن ضحية فقط؛ بل كان بيئة مثالية لتجريب أسوأ ما أنتجته البيروقراطيات الدولية من أدوات التمويل المشبوهة. وإذا كانت البلاد قد تخلصت من الإنقاذ سياسيًا، فقد آن الأوان أن تتخلص من الإنقاذ الأممية التي ترتدي قناع التنمية وتعمل كشبكة تحالفات مالية عابرة للحدود.
ونواصل …




