
الشيخ عبدالله أبو علا
حين قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، لكُميل:
«أطفِئِ المصباح، فقد أضاء الصباح»،
لم يكن يقدم حكمة وعظية عابرة، ولا إشارة وجدانية منفلتة من العقل، بل كان يضع معادلة دقيقة للعلاقة بين الفكر والحقيقة، بين العقل والنور، وبين الطريق والغاية.
في المستوى الفلسفي، يمثل المصباح العقل بوصفه أداة معرفة. والعقل، في هذا السياق، ليس خصمًا للحقيقة، بل شرطًا أوليًا للوصول إليها. إنه الضوء الذي يشق ظلمة الجهل، وينظم العالم في مفاهيم، ويرسم العلاقات بين الأسباب والنتائج. غير أن هذه المعرفة، مهما بلغت دقتها، تبقى معرفة بالوساطة: بين الذات والموضوع، وبين السائل والمسؤول عنه.
أما الصباح، فهو لحظة سقوط الوسائط. إنه الحقيقة حين تُدرَك بالحضور لا بالتمثيل، وبالشهود لا بالاستدلال. فالعقل يضيء ما هو أمامه، لكن النور الكلي يبتلع المسافة بين الرائي والمرئي. هنا لا تعود الحقيقة فكرة تُفهم، بل وجودًا يُعاش.
وفي المستوى الصوفي، المصباح هو الفكر حين يعمل في ليل النفس: يفسّر، يحلّل، يقارن، ويستخرج المعاني. لكنه يحتاج إلى زيت، والزيت هو الجهد، والتأمل، واللغة، وكلها أشياء محدودة. أما الصباح، فهو الفيض؛ نورٌ لا يُستمدّ من شيء، بل يفيض على كل شيء. لا يحتاج إلى برهان، لأنه هو البرهان نفسه.
من هنا تتضح دقة العبارة: «أطفئ المصباح». فهي ليست دعوة إلى تعطيل العقل، ولا إلى القفز فوقه باسم الذوق أو الكشف، بل دعوة إلى معرفة لحظة التخلّي. فالعقل، إذا تجاوز حدّه، انقلب من وسيلة إلى حجاب. وما كان نافعةً في الليل يصبح عبئًا عند الفجر.
فلسفيًا، هذه لحظة الانتقال من المعرفة التصورية إلى المعرفة الوجودية؛ من “أن أعرف الشيء” إلى “أن أكون في الشيء”. وصوفيًا، هي الانتقال من العلم إلى الحال، ومن المقام المكتسب إلى الحضور الموهوب.
وحين يشرق الصباح، تتغيّر وظيفة الفكر. لا يُلغى، بل يُعاد توطينه. لا يعود قائدًا، بل شاهدًا. لا يمسك الطريق، بل ينحني أمام النور. في هذا المقام، تنطفئ الأنوار الجزئية لا لأنها زائفة، بل لأن الحاجة إليها انتفت. فكما لا تُشعل شمعة في وضح النهار، لا يُستدعى البرهان في حضرة الشهود.
وهنا يدرك السالك – عقلًا وذوقًا – أن الحقيقة لم تكن يومًا غائبة، ولا بعيدة، ولا محصورة في النصوص والمفاهيم. كانت قريبة إلى حدّ التماهي، ساكنة في أعماقه، تنتظر فقط أن يصمت ضجيج المصباح ليُسمَع صوت الصباح.
فأطفئ مصباح العقل حين يطلع صبح النور، لا خيانةً له، بل وفاءً لمهمته. ودع الفكر عند حدود الدلالة، وادخل بنورك إلى فضاء الحضور. فما كنت تبحث عنه طويلًا في الكتب والتأملات، كان منذ البدء فيك، ينتظر لحظة الصمت… ليُشرق.




