رأي

شرق السودان بين الهيمنة والسياسة: صراع المشروعين ومستقبل الإقليم

عماد جدو

 

عماد جدو 

يشهد شرق السودان اليوم لحظة سياسية حاسمة، تتشكل فيها ملامح الصراع على مستقبل الإقليم بين مشروعين متباينين في الرؤية والأسلوب، يعكس كل منهما فهمًا مختلفًا لطبيعة الأزمة السودانية العامة ولطريقة إدماج قضية الشرق في المشهد الوطني.

المشروع الأول، الذي يقوده تحالف (ترك–داوود)، يعتمد على منطق سلطوي يسعى لفرض هيمنة مطلقة على الإقليم، مستندًا إلى النفوذ القبلي والاجتماعي كأداة للسيطرة السياسية. ويعتبر هذا التحالف أي حراك خارج مظلته تهديدًا مباشرًا، ويواصل اعتماد خطاب التخوين وتجريم المنافسين، ما يحد من الفضاء السياسي ويحول المطالب المشروعة إلى أدوات لصراع داخلي يخدم مصالح المركز أكثر من خدمة قضايا الشرق. ويلاحظ النقاد أن هذا التحالف لا يمتلك برنامجًا سياسيًا واضحًا لمعالجة جذور الأزمة، بل يكرس الإقصاء ويعيد إنتاج أنماط الهيمنة القديمة باسم المطالب المحلية، ما يعمق الانقسام ويضعف فرص المشاركة الحقيقية في صنع القرار.

على الجانب الآخر، يقدم تحالف (موسى–إبراهيم دنيا–محمد طاهر بيتاي) نموذجًا مختلفًا، يستند إلى رؤية سياسية متزنة ترتكز على الشراكة بين مكونات الإقليم، وإحياء اتفاقية أسمرا كإطار سياسي للتوافق وحل النزاعات. وقد مثل خطاب إبراهيم دنيا نقطة تحول مهمة، حيث انتقل من منطق الحرب والتوتر إلى خطاب سياسي واضح، يفتح المجال للحوار دون اللجوء إلى التخوين أو تصعيد الصراع بين المكونات. كما أقدم التحالف على خطوة مفصلية عندما أنهى موسى محمد أحمد مرحلة مجلس البجا التقليدية، مؤسسًا حراكًا سياسيًا جديدًا يفصل بين العمل السياسي والإدارة الأهلية، وينهي احتكار الرموز التقليدية للفعل السياسي، ما سحب واحدة من أهم أدوات الوصاية والسيطرة التي ظلت تُدار عبر المجلس الأعلى لنظارات البجا.

ويؤكد هذا المشروع الثاني على إدماج قضية الشرق في معركة وطنية أوسع تهدف إلى بناء دولة عادلة، تتبنى النظام الفيدرالي، وتضمن علمانية الدولة، وتوزيعًا عادلًا للسلطة والثروة على أساس التعداد السكاني، بما يتوافق مع رؤية تحالف تأسيس. ويبرز هنا دور الخطاب السياسي العقلاني كمدخل وحيد للحوار المنتج، شرط ألا تتحول التحركات السياسية إلى صراعات تهدد الاستقرار الاجتماعي أو تعيد الإقليم إلى تجارب الانقسام السابقة.

في نهاية المطاف، يبقى شرق السودان معلقًا بين مشروعين متناقضين: الأول يعيد إنتاج الهيمنة باسم المطالب، والثاني يسعى إلى السياسة البناءة والشراكة الفعلية لإدماج قضايا الإقليم في المشروع الوطني الأوسع. والمستقبل السياسي للشرق يعتمد اليوم على قدرة القوى المحلية على اختيار النموذج الذي يحول الصراع إلى حوار، ويؤسس لمؤسسات عادلة، ويضمن مشاركة جميع المكونات في صناعة القرار، بعيدًا عن لغة التخوين والسيطرة.

شرق السودان إذا ما اختار المشروع الثاني، سيكون قادرًا على أن يصبح جزءًا فاعلًا من السودان الجديد، حيث العدالة واللامركزية والمواطنة المتساوية أساس المشاركة، وهو ما يتماشى مع رؤية تحالف تأسيس لبناء دولة حديثة ومستقرة تلبي تطلعات كل مواطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!