
دكتور نصرالدين احمد إدريس
(مأزق الشرعية، تعدد المبادرات، وضياع الكتلة الحرجة)
مقدمة: سياق الاستعصاء الوطني
لا تبدو الحرب الدائرة في السودان مجرد صدام عسكري عابر، بل هي تجلٍ لأزمة هيكلية في بنية الدولة السودانية منذ الاستقلال. تأتي هذه الورقة لتطرح تساؤلات جوهرية (لا تبحث عن إجابات قطعية، بل عن مساحات للتفكير) حول كيفية الخروج من نفق الحرب، في ظل انقسام مدني حاد وتضارب في الأجندات الدولية والمحلية.
المحور الأول: ديناميكيات الحرب وتحولات “الإرادة”
تتجاوز الحرب الحالية فكرة الخلاف التقني حول دمج القوات، لتصل إلى جوهر “من يملك الدولة؟”. وهنا تبرز التساؤلات التالية:
– فخ الاستنزاف: هل تحولت الحرب من وسيلة لتحقيق هدف سياسي إلى “غاية” في حد ذاتها لضمان بقاء النخب العسكرية في سدة القرار؟
– السيادة المختطفة: كيف يمكن الحديث عن (قرار وطني) لوقف الحرب في ظل الاعتماد على تحالفات عابرة للحدود؟
– كلفة السلم: إذا كان وقف الحرب يتطلب “تنازلات مؤلمة”، فمن يملك الحق الأخلاقي والسياسي في تقديم هذه التنازلات نيابة عن الضحايا؟
المحور الثاني: المجتمع المدني والسياسي.. أزمة “الكتلة المفقودة”
يعاني الوسط المدني السوداني من حالة تشظٍّ جعلته يبدو كـ “جزر منعزلة” أمام آلة الحرب المنظمة.
– غياب المركز: لماذا تفشل القوى المدنية في التوافق على “ميثاق وطني” يتجاوز المحاصصة الحزبية والاجتماعية، رغم وضوح الكارثة الإنسانية؟
– الاستقطاب الحاد: هل أصبح المجتمع المدني “ظهيراً سياسياً” لأطراف الحرب بدلاً من أن يكون كابحاً لها؟ وكيف أثر ذلك على قدرته في قيادة الشارع؟
– التمثيل والمشروعية: في ظل النزوح واللجوء وتفكك القواعد الاجتماعية، من يمثل “صوت السودانيين” الآن؟ وهل تعبر الكيانات السياسية الحالية عن واقع ما بعد 15 أبريل؟
المحور الثالث: المبادرات الدولية والوطنية (قراءة في التدافع)
تتأرجح الحلول بين “الضغوط الدولية” (الرباعية) و”الاجتهادات الوطنية” (مبادرة د. كامل إدريس)، مما يطرح تساؤلات حول الفعالية والمغزى:
– مبادرة الرباعية (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، الإمارات):
– هل تسعى هذه القوى لإنتاج “استقرار تقني” يضمن مصالحها، أم لسلام مستدام يخاطب جذور الأزمة السودانية؟
– لماذا تبدو الضغوط الدولية عاجزة عن فرض وقف إطلاق نار حقيقي حتى الآن؟
– ما الذي تحمله المبادرات ذات الطابع الفردي/الخبراتي من ميزات تفتقر إليها المسارات الدولية الرسمية؟
– هل المغزى منها هو إيجاد “منطقة وسطى” تخرج قادة الجيش من حرج التنازل للخصم المباشر؟
– المفارقة الكبرى: لماذا يوجد تضخم في عدد المبادرات مقابل شحّ في النتائج على الأرض؟ وهل التعدد يخدم القضية أم يمنح قادة الجيش فرصة “للتسوق بين المبادرات” لكسب الوقت؟
المحور الرابع: آفاق المستقبل (ما بعد الصمت)
إن الهدف من إثارة هذه التساؤلات ليس اليأس، بل محاولة فحص “العطب” في الماكينة السياسية السودانية.
– هل يمكن أن تؤدي هذه الحرب – رغم مأساويتها – إلى إنهاء “ثنائية العسكر والمدنيين” لصالح مفهوم جديد للدولة؟
– كيف يمكن إعادة بناء الثقة بين المكونات الاجتماعية التي مزقها الخطاب الجهوي والقبلي المصاحب للحرب؟
خاتمة النقاش:
إن الانتقال من وضع “التساؤل” إلى وضع “الفعل” يتطلب أولاً الاعتراف بأن الأدوات القديمة في إدارة الدولة السودانية قد انتهت صلاحيتها مع أول رصاصة في (15 أبريل). إن المغزى من مقارنة التحركات الدولية (بالمبادرات المحلية) هو البحث عن “صيغة” لفهم طريقة تفكير المؤثرين في المشهد السوداني، وقراءة مآلات المستقبل والبحث عن أنجع السبل للوصول الى أليات فاعلة لوقف الحرب وبداية حوار سياسي إستراتيجي لإخراج البلاد من المأزق التاريخي نحو آفاق بناء وتأسيس الدولة.




