
سمية النور دهب .. دبلن
تعكس تصريحات رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك إدراكًا عميقًا لطبيعة المأزق التاريخي الذي يعيشه السودان اليوم، مأزق لا يمكن اختزاله في حربٍ مسلحة أو صراعٍ على السلطة، بل يتمثل أساسًا في أزمة بنيوية ممتدة تتعلق بشكل الدولة، وطبيعة الحكم، وعلاقة السلطة بالمجتمع. فالسودان، كما يشير حمدوك، يقف عند مفترق طرق حاسم: إما مشروع تأسيسي جديد يعيد تعريف الدولة، أو عودة إلى الدائرة الجهنمية نفسها التي أنتجت الانقلابات والحروب والانهيارات.
إن الدعوة إلى عقد اجتماعي جديد ليست ترفًا فكريًا أو شعارًا سياسياً، بل ضرورة وجودية لدولة فشلت نخبها الحاكمة المتعاقبة في بناء إطار جامع يقوم على المواطنة المتساوية والعدالة. فالدولة السودانية، منذ الاستقلال، ظلت أسيرة تحالفات ضيقة بين العسكر والأيديولوجيا، ما أفقدها الشرعية، وفتح الباب واسعًا أمام العنف بوصفه أداة حكم لا استثناء.
وتكتسب إشارات حمدوك إلى رفض إعادة إنتاج مشروع التمكين الإسلامي أهمية خاصة في هذه المرحلة. فالتجربة الإسلامية في السودان لم تكن مجرد تجربة سياسية فاشلة، بل مشروع هيمنة شاملة أعاد تشكيل مؤسسات الدولة على أساس الولاء لا الكفاءة، وأنتج دولة مشلولة، واقتصادًا منهوبًا، ونسيجًا اجتماعيًا مثقوبًا. والتعامل مع هذا الإرث لا يمكن أن يتم بالمساومات أو التجاهل، بل عبر مسار قانوني وديمقراطي واضح، يستفيد من تجارب العالم في تفكيك الأنظمة الشمولية، دون الوقوع في فخ الانتقام أو الإفلات من المحاسبة.
كما أن حديث حمدوك عن إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية يلامس جوهر الأزمة السودانية. فغياب الدولة المدنية لم يكن يومًا نتيجة ضعف الأحزاب فقط، بل نتاج تدخل الجيش المستمر في السياسة، وتحوله من مؤسسة وطنية إلى لاعب سلطوي مباشر. ولا يمكن تصور سلام أو استقرار في ظل جيش مسيّس، أو وجود مليشيات موازية تنازع الدولة احتكارها المشروع للقوة.
من موقعنا في المهجر، وتحديدًا من دبلن، نراقب المشهد السوداني بقلق مضاعف، لأن المسافة تكشف الصورة أوضح: ما يحدث في السودان ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات سياسية خاطئة، وإصرار مزمن على إدارة الدولة بعقلية الغنيمة لا العقد الاجتماعي. ولهذا فإن أي مشروع للخروج من الأزمة يجب أن يكون مشروعًا تأسيسيًا شاملًا، يعيد بناء الدولة على أسس جديدة، لا ترقيعية.
إن السودان لا يحتاج إلى وجوه جديدة فحسب، بل إلى قواعد جديدة للعبة السياسية، قواعد تحترم إرادة الشعب، وتضع السلاح تحت سلطة المدنيين، وتُخضع الجميع لحكم القانون. دون ذلك، ستظل الحروب تتجدد، ولو تغيّرت شعاراتها.




