تقارير وتحقيقات

إعادة تشكيل البنية السياسية والأمنية في السودان (2023–2025)

التنوير .. تقرير المركز الافريقي للتنمية المحلية

 

التنوير تقرير المركز الأفريقي للتنمية المحلية 

 

التحولات تحت مظلة السياسة الأمريكية والإقليمية

الجهة المصدرة : المركز الأفريقي للتنمية المحلية 

الجهة المختصة : إدارة الدراسات الاستراتيجية والتحليل الجيوسياسي

التاريخ: 29 ديسمبر 2025  

الرقم المرجعي : ACLD/SSGP/6

مقدمة عامة

يشهد السودان منذ اندلاع النزاع المسلح في أبريل 2023 تحولات عميقة طالت بنية الدولة ، ووظائف مؤسساتها السيادية ، وأنماط تفاعلها مع محيطها الإقليمي والدولي . ولا يمكن فهم مسارات هذا التحول بمعزل عن التداخل المكثف بين العوامل الداخلية — ولا سيما الصراع داخل المؤسسة العسكرية — وبين المقاربات الدولية ، وعلى رأسها السياسة الأمريكية ، التي اتخذت من الأزمة السودانية ساحة لإعادة ترتيب أولويات أمنية وسياسية أوسع في الإقليم .

يسعى هذا التقرير إلى تقديم قراءة تحليلية معمّقة لمسار إعادة تشكيل البنية السياسية والأمنية في السودان خلال الفترة 2023–2025 ، مع التركيز على المنطق الاستراتيجي الذي حكم السلوك الأمريكي ، وأدوات التأثير المستخدمة ، وانعكاسات ذلك على توازنات القوة الداخلية واحتمالات الاستقرار أو التفكك

يستند هذا التحليل إلى مراجعة منهجية للخطاب الرسمي الأمريكي ( البيانات ، التصريحات ، الإحاطات ) ، وتقارير مؤسسات بحثية دولية وإقليمية ، ومسارات تشريعية داخل الكونغرس الأمريكي ذات صلة بالسودان والحركات الإسلامية ، والتقارير الاستخباراتية المتاحة للمراجعة والرصد ، إضافة إلى تتبع أنماط السلوك الدبلوماسي والعقابي على الأرض .

الملخص التنفيذي

يقدّم هذا التقرير تحليلاً استراتيجياً لمسار الأزمة السودانية خلال الفترة 2023–2025 ، مركزاً على دوافع المقاربة الأمريكية وتداعياتها . وتشير القراءة التحليلية إلى أن السياسة الأمريكية تجاوزت نحو محاولة إعادة هندسة المشهد السياسي والأمني السوداني عبر آليات ضغط مزدوجة ، تشريعية ودبلوماسية من جهة ، وميدانية غير مباشرة من جهة أخرى . في جوهرها ، استهدفت هذه المقاربة تحييد مراكز القوى الأيديولوجية المرتبطة بالنظام السابق داخل المؤسسة العسكرية ، وإعادة صياغة العقيدة الأمنية للدولة بما يتلاءم مع ترتيبات إقليمية جديدة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي . ويخلص التقرير إلى أن هذه المرحلة شكّلت لحظة مفصلية في مسار إعادة هيكلة الدولة السودانية ، بما تحمله من فرص لإعادة البناء ، ومخاطر عالية للانقسام والانهيار .

العرض الوصفي – خارطة التفاعلات والمواقف

في السياق الداخلي للصراع : شهد السودان تصعيداً حاداً في الصراع المسلح بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ، وهو صراع تجاوز في طبيعته كونه نزاعاً على السلطة ليعكس تناقضات بنيوية داخل الدولة ، تراكمت عبر عقود من عسكرة السياسة وتداخل الأيديولوجيا مع المؤسسة العسكرية . وقد أدّى هذا الصراع إلى شلل شبه كامل لمؤسسات الحكم ، وتدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية والأمنية .

عند تشكّل الرؤية الأمريكية :

تشير تقارير وتحليلات صادرة عن مؤسسات بحثية دولية إلى أن الرؤية الأمريكية تشكّلت حول قناعة مفادها أن النفوذ المتجذر لتيارات الإسلام السياسي داخل الجيش السوداني يمثّل عائقاً استراتيجياً أمام أي انتقال سياسي مستقر . وبناءً على ذلك ، ظهر تباين واضح بين الخطاب الدبلوماسي العلني ، الذي يركّز على وقف إطلاق النار وحماية المدنيين ، وبين الممارسات السياسية الفعلية التي اتسمت بالانتقائية والبراغماتية .

برزت قوات الدعم السريع كفاعل محوري في معادلة الصراع ، ما أوجد مفارقة ظاهرية في التعاطي الدولي معها . فمن جهة ، فُرضت عقوبات على بعض قياداتها على خلفية انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ، ومن جهة أخرى ، تشير قراءات تحليلية إلى وجود تقييم براغماتي يرى في هذه القوات أداة محتملة لخلق توازن قوة ميداني في مواجهة النفوذ الإسلامي داخل الجيش النظامي .

وقد تزامن هذا التوجه مع حراك تشريعي داخل الكونغرس الأمريكي يسعى إلى تفعيل أطر قانونية لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية ، بما يوفر أداة قانونية لملاحقة واستبعاد الفاعلين المرتبطين بالنظام السابق . كما تشير المعطيات إلى مستوى من التنسيق بين واشنطن وبعض حلفائها الإقليميين حول ضرورة تحييد التيار الإسلامي ، ما أسهم في خلق بيئة إقليمية متقبلة لدور وظيفي لقوات الدعم السريع في ملفات أمنية محددة .

التحليل الاستراتيجي – تفكيك البنى التقليدية وإعادة الهيكلة :

يفترض هذا التحليل استراتيجية المسار المزدوج حيث أن واشنطن اعتمدت استراتيجية تقوم على مسارين متوازيين : المسار الأول ( الظاهر/الدبلوماسي ) : يتمثل في الانخراط الدبلوماسي التقليدي عبر بيانات الإدانة ، والدعوة لوقف إطلاق النار ، وفرض عقوبات محددة على أفراد وكيانات ، بهدف إدارة التداعيات الإنسانية والحفاظ على صورة الالتزام بالقانون الدولي .

المسار الثاني ( الاستراتيجي/إعادة الهندسة ): يتمحور حول منع المؤسسة العسكرية السودانية من حسم المعركة عسكرياً طالما بقيت خاضعة لهيمنة النخب الأيديولوجية القديمة. وتشير التقديرات إلى سعي واشنطن لاستخدام حالة الاستنزاف كأداة ضغط لإجبار الجيش على القبول بتسوية تفاوضية تقود إلى إصلاح أمني شامل .

يُنظر إلى ملف الإصلاح الأمني ، بما في ذلك دمج قوات الدعم السريع في هيكل أمني جديد ، بوصفه مدخلاً لتفكيك شبكات النفوذ الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية . ولا يُفهم هذا الدمج كعملية تقنية محايدة ، بل كآلية لإعادة توزيع مراكز القوة ، وإعادة تعريف العقيدة القتالية والأمنية للدولة .

الإطار التشريعي والدولي الداعم : يدعم هذا المسار حراك تشريعي في الولايات المتحدة ، وعلى رأسه مشاريع قوانين تستهدف تصنيف جماعات إسلامية بعينها كمنظمات إرهابية . ويهدف هذا الإطار إلى توفير غطاء قانوني دولي لاستبعاد قيادات محددة من أي عملية سياسية مستقبلية ، وإعادة رسم حدود الشرعية السياسية في السودان .

الأهداف الاستراتيجية الأوسع : يمكن تلخيص الأهداف النهائية لهذه المقاربة في محاور رئيسية ، أولا : ربط السودان بمنظومة أمنية إقليمية جديدة : دمجه في ترتيبات أمن البحر الأحمر ، ومسارات التطبيع والتحالفات الغربية–العربية ، بما يتطلب قيادة سياسية وأمنية براغماتية .

ثانيا : إعادة تعريف المشهد السياسي الداخلي : عبر استخدام الأدوات القانونية والدبلوماسية لإقصاء النخب المرتبطة بالماضي الأيديولوجي ، وفتح المجال أمام إعادة تشكيل الطبقة الحاكمة .

 التقديرات العامة والتداعيات المستقبلية :

من المرجح استمرار الضغوط الدولية لفرض تسوية سياسية تستبعد التيارات الإسلامية من مركز القرار ، مع الاعتماد المستمر على العقوبات ، والملاحقات القانونية ، وأدوات العزل الدبلوماسي .

في حال نجاح مشروع إعادة الهيكلة ، ستشهد المؤسسة العسكرية تحولات عميقة في بنيتها القيادية وعقيدتها ، كما ستعاد صياغة علاقات السودان الإقليمية على أسس جديدة ، قد تفتح المجال لاندماج مشروط في النظامين الإقليمي والدولي .

تحمل هذه الاستراتيجية مخاطر عالية ، أبرزها احتمال تشظي المؤسسة العسكرية ، أو انزلاق البلاد نحو فوضى أوسع في حال واجهت مقاومة داخلية قوية ، أو فشلت في تحقيق حد أدنى من التوافق الوطني .

تخلص هذه الدراسة إلى أن السودان ، خلال الفترة 2023–2025 ، تحوّل إلى فضاء لإعادة ترتيب هندسي للبنية السياسية والأمنية ، تقوده اعتبارات إقليمية ودولية تتجاوز الإطار السوداني البحت . وقد اتسمت المقاربة الأمريكية بقدر عالٍ من البراغماتية ، سعت من خلالها إلى تفكيك مراكز النفوذ الأيديولوجي داخل الدولة ، وربط مستقبل السودان بترتيبات أمنية جديدة في الإقليم . غير أن هذه المقاربة ، على الرغم من اتساقها الاستراتيجي الظاهري ، تنطوي على مخاطر بنيوية جسيمة . فإعادة هندسة الدولة من الخارج ، دون توافق وطني داخلي واسع ، قد تنتج دولة هشة ، أو سلطة بلا شرعية اجتماعية ، أو مؤسسة عسكرية مفككة تتنازعها الولاءات .

وعليه ، فإن مستقبل السودان سيظل معلقاً بين مسارين متناقضين : مسار إعادة بناء مشروط ، تقوده تسويات مفروضة من أعلى ، ومسار تفكك ممتد ، تغذيه مقاومة داخلية وفشل في إدارة التنوع السياسي والاجتماعي . وسيكون العامل الحاسم في ترجيح أحد المسارين هو قدرة الفاعلين السودانيين—مدنيين وعسكريين—على إعادة امتلاك القرار الوطني ، والتعامل النقدي مع مشاريع إعادة الصياغة الخارجية ، دون إنكار وزنها أو تجاهل تأثيرها .

المصادر المرجعية :

1/ U.S. Treasury Department – Sanctions on RSF Commanders (2023-2024) .

2/ Congressional Research Service (CRS) Reports on Sudan Conflict and Muslim Brotherhood Legislation .

3/ Foreign Policy Analysis: “The Deep State and the Struggle for Sudan’s Future”.

Leaked Diplomatic Cables via “Sudan Transparency and Policy Tracker”.

4/ Documents of the African Center for Local Development.

المركز الافريقي للتنمية المحلية 

إدارة الدراسات الاستراتيجيه والتحليل الجيوسياسي 

تاريخ التقرير : 29 ديسمبر 2025

africancenterlocaldevelopment@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!