رأي

الجيش المؤدلج وأزمة الدولة: لماذا يستحيل الإصلاح من داخل المنظومة؟

أبو عبد الله الراشدي

 

أبو عبد الله الراشدي

تتزايد، منذ اندلاع الحرب المدمّرة في السودان، الأصوات التي تطالب قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان بفصل المؤسسة العسكرية عن الحركة الإسلامية، وكأن المسألة لا تتجاوز قرارًا إداريًا أو خطابًا سياسيًا عابرًا. غير أن هذا الطرح، في جوهره، يتجاهل طبيعة العلاقة التي تشكّلت عبر عقود بين الجيش والتيار الإسلامي، علاقة لم تُبنَ على التحالف المؤقت، بل على الاندماج البنيوي العميق.

فالمؤسسة العسكرية السودانية، كما هي اليوم، ليست جهازًا مهنيًا محايدًا تم اختطافه في لحظة طارئة، بل كيان أُعيد تشكيله تدريجيًا ليكون حاضنةً لمشروع أيديولوجي محدد. منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، جرى تفريغ الجيش من عناصره المهنية المستقلة، وإحلال كوادر تدين بالولاء الفكري والتنظيمي للحركة الإسلامية، حتى أصبحت العقيدة العسكرية نفسها متأثرة بالتصورات السياسية والدينية لهذا التيار.

بعد سقوط نظام عمر البشير، راهن كثيرون على أن المؤسسة العسكرية ستخضع لمراجعة عميقة تعيدها إلى دورها الطبيعي كحارس للوطن لا لاعبًا في السياسة. لكن ما حدث كان العكس؛ إذ أعيد تدوير ذات الشبكات القديمة تحت عناوين جديدة، وبقيت مراكز القرار مغلقة أمام أي إصلاح حقيقي. وهنا تكمن الإشكالية: من نشأ داخل منظومة التمكين لا يستطيع تفكيكها، بل يسعى – بوعي أو بدونه – إلى حمايتها.

هذا التماهي بين الجيش والحركة الإسلامية لا يظهر فقط في الخطاب السياسي، بل يتجسد في السلوك العملي. فالتمدد الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، وسيطرتها على مفاصل الإنتاج والتجارة، وتحركاتها الإقليمية المنفصلة عن أي رقابة مدنية، تعكس عقلية ترى في الدولة غنيمة، لا عقدًا اجتماعيًا. الأخطر من ذلك هو استخدام السلاح خارج منطق الدولة، سواء عبر إنتاج مليشيات موازية، أو عبر تغذية الانقسامات الجهوية والقبلية لضمان استمرار السيطرة.

إن رفض القيادة العسكرية لأي مشروع جاد لإعادة الهيكلة أو الدمج أو الخضوع للمساءلة لا يمكن قراءته كتعنت إداري، بل كخوف وجودي من فقدان الامتيازات التي راكمتها منظومة التمكين. لذلك، فإن الدعوات التي تتحدث عن “حياد الجيش” أو “عودته إلى الثكنات” دون تفكيك جذري لبنيته الحالية، ليست سوى أوهام سياسية تفتقر للواقعية.

الحل لا يبدأ بإقناع القيادة القائمة بتغيير جلدها، بل بتأسيس مشروع وطني جديد يعيد بناء المؤسسة العسكرية من الأساس، على عقيدة مهنية جامعة، تحظر التسييس، وتحترم التنوع، وتخضع بالكامل للسلطة المدنية. دون ذلك، ستظل الدولة السودانية رهينة لجيش مؤدلج، يعيد إنتاج الأزمات نفسها بأشكال مختلفة.

خلاصة القول إن الأزمة ليست في الأشخاص فحسب، بل في بنية كاملة تشكلت لخدمة مشروع بعينه. وتفكيك هذه البنية هو الشرط الأول لقيام دولة سودانية حديثة، عادلة، وقابلة للحياة. أما الرهان على إصلاح ذات المنظومة من داخلها، فليس إلا تأجيلاً لكارثة قادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!