
إيمان التجاني
جاء خطاب إبراهيم دُنيا في توقيت بالغ الحساسية، ليضع ملامح موقف سياسي واضح لقوى ومكونات شرق السودان من مجمل التطورات التي تمر بها البلاد. خطاب اتسم بالهدوء والوضوح، وابتعد عن لغة التصعيد، مفضلًا طرح رؤية عقلانية تعكس تطلعات مجتمع أنهكته الصراعات، ولا يزال يبحث عن موقعه العادل في مشروع الدولة السودانية.
أبرز ما ميّز خطاب إبراهيم دُنيا هو الرفض القاطع للحرب، والتأكيد على أنها حرب لا تخدم قضايا أهل الشرق ولا تعبر عن مصالحهم. فقد شدد على أن الإقليم ليس طرفًا في صراع السلاح القائم، وأن أبناء الشرق دفعوا، مثل غيرهم من السودانيين، أثمانًا باهظة لحروب لم يختاروها، ولم يجنوا منها سوى التهميش وتعطيل التنمية وتآكل الاستقرار المجتمعي.
وفي مقابل هذا الرفض الواضح للحرب، دعا الخطاب إلى السلام المستدام باعتباره الخيار الوحيد القادر على إنقاذ السودان من الانهيار. سلام لا يقوم على التسويات المؤقتة أو المحاصصات الضيقة، بل يعالج جذور الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويؤسس لدولة المواطنة والعدالة. وفي هذا السياق، عبّر إبراهيم دُنيا عن تأييده لمبادرة الرباعية، باعتبارها مسارًا يمكن أن يسهم في فتح أفق سياسي جديد، شريطة أن يضمن مشاركة حقيقية للأقاليم، وألا يُعاد إنتاج الإقصاء باسم التسوية.
الخطاب أكد كذلك التمسك بوحدة السودان، ورفض أي مشاريع أو أطروحات من شأنها تهديد هذه الوحدة. وكان نفي العلاقة بمشروع “النهر والبحر” الانفصالي رسالة مباشرة تهدف إلى قطع الطريق أمام محاولات الزج بشرق السودان في صراعات الهوية أو استخدامه كورقة ضغط سياسية. فالإقليم، بحسب الخطاب، جزء أصيل من الوطن، وقضيته ليست في الانفصال، بل في العدالة والإنصاف داخل الدولة الواحدة.
ولم يغفل إبراهيم دُنيا الإشارة إلى قضايا الظلم والتهميش التي عانى منها شرق السودان لعقود طويلة، مؤكدًا أن هذه المظالم لا يمكن معالجتها بالشعارات، بل عبر سياسات واضحة تضمن التنمية المتوازنة، وتحسين الخدمات، وتمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها والمشاركة في السلطة والثروة. وهي مطالب لا تنفصل عن جوهر الأزمة الوطنية، بل تعكسها بوضوح.
وفي بعد اجتماعي مهم، شدد الخطاب على وحدة المكونات الاجتماعية في شرق السودان، ورفض خطاب العنصرية والكراهية، محذرًا من خطورة الاستثمار في الانقسامات القبلية لتحقيق مكاسب سياسية آنية. فالحرب، كما أشار، لم تدمّر البنية التحتية فحسب، بل ضربت النسيج الاجتماعي، ما يجعل ترميم الثقة أولوية لا تقل أهمية عن أي مسار سياسي.
واختتم الخطاب بالدعوة إلى مواصلة الحوار وتوحيد الرؤى والتوجهات، مع التأكيد على حق أهل الشرق في المشاركة الحقيقية في صناعة القرار الوطني، وفي تحديد مصير ومستقبل السودان. رسالة تؤكد أن الاستقرار لن يتحقق بقرارات فوقية، بل عبر مشروع وطني جامع يعترف بالتنوع، ويُشرك الجميع دون استثناء.
يمكن القول إن خطاب إبراهيم دُنيا قدّم رؤية متزنة، تعكس وعيًا سياسيًا متقدمًا، وتضع شرق السودان في موقع الفاعل الوطني، لا الهامش. رؤية تؤكد أن الطريق إلى السلام يبدأ بالاعتراف بالمظالم، ويمر عبر الحوار، وينتهي بدولة عادلة تتسع لكل أبنائها.




