
نبض قلم
عادل تاج الدين جار النبي
في بلدٍ مكلوم بالحرب والنزوح وانهيار أبسط مقومات الحياة، يبدو مشهد رافعةٍ ترفع تمثالًا للفريق أول عبد الفتاح البرهان في ساحة عامة كأنه لقطة من واقعٍ مقلوب. ملايين شُرّدوا من بيوتهم، مدنٌ دُمّرت، أسرٌ تفككت، وأطفال يكبرون على صوت القصف لا على أصوات المدارس… ومع ذلك يختار قائد السلطة الانقلابية أن يخلّد صورته في البرونز على قاعدةٍ رخامية، كأن أزمة السودان الحقيقية هي غياب تمثال للبرهان لا غياب الأمن والخبز والدواء.
هذه الرغبة في تخليد الذات وسط الركام ليست تفصيلاً عابرًا، بل تعبير عن ذهنية سلطة ترى في الوطن خلفية لصور الحاكم لا بيتًا لمواطنيه. تمثال البرهان هنا لا يروي حكاية بطولة، بقدر ما يروّج لرواية رسمية تحاول تجميل الانقلاب بشعارات «الشجاعة» و«التضحية»، بينما يقول الواقع اليومي شيئًا آخر: فشل في إدارة الدولة، استنزاف للأرواح، وحياة تزداد قسوة على المواطن البسيط في كل مدينة وقرية.
ما يجعل المشهد أكثر قسوة أن هذا النصب البرونزي يحاول القفز فوق ذاكرة السودانيين الحيّة: ذاكرة الاعتصامات، والشهداء، والبيوت التي تحوّلت إلى خرائب، والمدن التي محتها الحرب من الخرائط. كأن الرسالة الضمنية: انسوا ما جرى، وتذكّروا وجه البرهان فقط. لكن الناس اليوم ليسوا صفحة بيضاء تُمحى وتُعاد كتابتها بقرار من فوق، ولا جمهورًا أسيرًا لصورةٍ تُنصب في منتصف الطريق.
في النهاية، ما يحتاجه السودان ليس تمثالًا لعبد الفتاح البرهان ولا أصنامًا سياسية جديدة، بل مسؤولين يقبلون أن يكونوا خُدّامًا لوطنهم لا أبطالًا على قواعد رخامية؛ رجال دولة يتركون الخلود لمن يستحقّه فعلًا: الشعوب وصبرها وتضحياتها، لا البرونز ولا رصاص الانقلابات.
دالاس/تكساس
السبت ٢٢ نوفمبر ٢٠٢٥



