رأي

السودان بين الحسم العسكري والتحالفات الخارجية: هل تنقذ المبادرات الدولية الوطن أم تعمّق الانقسام؟

سلمان عبد المجيد ود الشيخ

 

سلمان عبد المجيد ود الشيخ

يشهد السودان اليوم مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع ضغوط إقليمية ودولية متزايدة، ما يجعل مستقبل البلاد مهددًا بموجة تصعيد جديدة قد تعيد إنتاج نماذج الدول الممزقة في المنطقة. في الوقت الذي يدعو فيه القائد العام للقوات المسلحة إلى الحسم العسكري، يتحرك الجيش السوداني لتدعيم تحالفاته مع دول مثل مصر وتركيا وإريتريا، في حين تُعلن واشنطن عن قلقها الصريح من هذا الخطاب، معتبرةً أن أي تصعيد عسكري يمثل تهديدًا مباشرًا لجهود السلام واستقرار البلاد.

المفارقة اللافتة تكمن في موقف قوات الدعم السريع، التي أبدت موافقتها على كافة مبادرات السلام الدولية والإقليمية، بدءًا من الرباعية وصولاً إلى جميع مسارات التفاوض الرامية لإنهاء الأزمة. هذه المفارقة بين تصعيد الجيش العسكري ومرونة الطرف الآخر تضع المؤسسة العسكرية في دائرة ضغط دولي متصاعد، وتُبرز الحسم العسكري كعقبة أمام أي تقدم سياسي، بينما تُسوق الأطراف الأخرى نفسها كشريك بناء على طاولة الحوار.

هذا المشهد يضع السودان أمام مخاطر حقيقية:

1️⃣ خطر التدويل: أصبحت السودان ساحة صراع بين محاور إقليمية تدعم التوجه العسكري، وضغوط دولية بقيادة واشنطن تهدف لمنع التصعيد وفرض التفاوض. هذا التباين يخلق أرضية لاستغلال الصراع داخليًا وخارجيًا، ويزيد احتمالات تحويل الأزمة إلى حرب وكالة طويلة الأمد.

2️⃣ سيناريوهات مأساوية: الاقتراب من نماذج الدول الممزقة مثل ليبيا والصومال ليس مستبعدًا، فاختلاف المواقف بين الأطراف المحلية يُستغل من قبل المحاور الخارجية لتعميق الانقسام واستمرار النزاع، ما يهدد وحدة البلاد وسلامة مؤسساتها.

3️⃣ الهروب من الحقيقة الوطنية: الاستقواء بالخارج أو التماهي مع المبادرات الدولية دون رؤية وطنية شاملة يعد تهربًا من مواجهة جذور الأزمة. فمشكلات السودان تاريخية ومعقدة، وفشلت كل الحلول “المعلبة” منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي في معالجتها بشكل فعال ومستدام.

إن الطريق للخروج من هذا النفق لا يمكن أن يقوم على مجرد الموافقة على المبادرات الدولية أو نسج تحالفات عسكرية مع الخارج، بل يتطلب صياغة رؤية وطنية شجاعة تعيد للسودان سيادته، وتضمن وحدة الدولة واستقلال القرار الوطني. أي حل حقيقي يجب أن ينطلق من الداخل، يضم كل المكونات الوطنية، ويضع الشعب السوداني في مركز عملية صنع القرار، بعيدًا عن أي إرتهان للمصالح الخارجية.

في الختام، يبقى السؤال الأساسي: هل ستستمر قيادة الجيش في سياسات الحسم العسكري والتحالفات الإقليمية على حساب السلام والمواطن، أم أن هناك إرادة وطنية حقيقية لإعادة السودان إلى المسار المدني، وإنهاء حالة الانقسام التي تهدد كل مكتسبات الشعب؟ المستقبل الآن بين خيارين: إما الدولة السيادية المستقلة، أو الانقسام والتدويل المدمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!