
براءة حامد
ما صدر أخيراً عن رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي من ترحيب بمبادرة حكومة بورتسودان للسلام لا يمكن التعامل معه بوصفه موقفاً عابراً أو زلة دبلوماسية، بل يعكس – بوضوح مقلق – انحرافاً خطيراً في بوصلة المفوضية، وانخراطها العملي في اصطفاف سياسي يفتقر إلى الحد الأدنى من الحياد والمسؤولية الأخلاقية.
المبادرة التي جرى الترحيب بها لا تحظى بأي شرعية شعبية أو سياسية داخل السودان. فهي مرفوضة من طيف واسع من القوى المدنية، ومجردة من أي توافق وطني، ولا تتضمن التزامات واضحة بوقف الحرب أو حماية المدنيين أو محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات. والأسوأ من ذلك أنها تفتح الباب صراحة لإعادة تدوير منظومة الحكم التي قادت البلاد إلى هذا الانهيار الشامل. فكيف لمفوضية تدّعي السعي للسلام والاستقرار أن تمنح مثل هذه المبادرة غطاءً سياسياً؟
إن موقف مفوضية الاتحاد الأفريقي يتناقض بشكل صارخ مع المزاج الدولي العام، الذي يضع أولوية وقف إطلاق النار وتسهيل العمل الإنساني ومسار سياسي مدني شامل في مقدمة أي حل. كما يتناقض مع تطلعات السودانيين الذين خبروا جيداً نتائج المبادرات الفوقية، ويدركون أن السلام لا يُفرض بإعلانات تصدر عن أحد أطراف الصراع، بل يُبنى عبر عملية سياسية عادلة تشمل الجميع ولا تستثني الضحايا.
الأخطر من مضمون الموقف هو دلالته السياسية. فالترحيب بمبادرة طرف في النزاع يضع المفوضية في خانة الانحياز، ويقوض دورها كوسيط إقليمي يفترض فيه الاستقلال والنزاهة. وهذا الانحياز، سواء كان مقصوداً أو ناتجاً عن حسابات إقليمية، لا يخدم السلام، بل يمنح شرعية زائفة لاستمرار الحرب، ويشجع أطرافها على المضي في الخيار العسكري بدلاً من البحث عن تسوية حقيقية.
لقد ظلت مفوضية الاتحاد الأفريقي، تاريخياً، تتحدث عن دعم الانتقال الديمقراطي والحكم المدني في السودان، لكن مواقف كهذه تفرغ هذه الشعارات من مضمونها، وتبعث برسالة سلبية مفادها أن إرادة الشعوب يمكن تجاوزها إذا تعارضت مع مصالح إقليمية ضيقة. وهذا بالضبط ما يفقد المؤسسات الإقليمية احترامها وتأثيرها.
إن الأزمة السودانية ليست ساحة لاختبار النفوذ ولا ورقة في صراعات المحاور، بل مأساة إنسانية وسياسية تتطلب موقفاً شجاعاً ومسؤولاً. وعلى مفوضية الاتحاد الأفريقي، إذا أرادت استعادة دورها، أن تتراجع عن دعم مبادرات مختلة، وأن تنخرط بجدية في مسار يضع المدنيين في مركز الحل، لا كديكور سياسي.
غير ذلك، سيظل السلام مؤجلاً، وستبقى المفوضية شريكاً في إدامة الأزمة، لا جسراً لعبور السودان نحو الاستقرار.




