
سيف الدين صالح هارون
وفي حلقتان سابقتان حول جوهر الموضوع أعلاه ؛ تعرضنا فيه الي أهمية انسان وإقليم شرق السودان علي صعيد مستوي الأهمية الجيوسياسية والتركيبة الاجتماعية ذات البعد التاريخي الحضاري المشكل للتركيب البنيوي للهوية القومية الوطنية السودانية التي لا تنفصل عن بعضها البعض .معرجين علي حساسية ووضع الاقليم وتأثيراته علي الوضعية التي تربطه بالعالم الخارجي عبر المنافذ المطلة علي دول الجوار ذات التأثير علي التقاطعات الحدودية التي كانت دوما مصدر قلق للدولة السودانية في تعاملها مع تلك الدول التي تربطنا بها علاقات جوار قديمة تقوم علي المصالح المشتركة ؛ وتداخلات اجتماعية لمجموعات إثنية حدودية مشتركة الملامح الجينية والثقافية والعرقية ، مما يصعب علينا فصلها عمليا رغم فرضية الحدود المادية الجغرافية الوهمية التي رسمها المستعمر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام ١٩٤٨ التي خلقت وخلفت عن عمد إشارات رمزية لتلك الحدود وزعت تلك المكونات الاجتماعية بطريقة محرجة ما بين الحدود الإدارية لتلك المجموعات بين دول الجوار تلك – وهي واحدة من الخوازيق التي خلفها من ورائه المستعمر وستظل هاجسا مستديما يستخدم كأوراق ضغط سياسي تستخدمه أنظمة تلك الدول بين الحين والآخر وفقا لمصالحها وأطماعها السياسية ، وحالة ووضعية الحدود الشرقية المتاخمة لكل من دولتي ارتريا وأثيوبيا شرقا ومصر شمالا التي تمثل نموذجا حاضرا لتلك الأزمة التي وضحت معالمها بشكل واضح بعد قيام الحرب السودانية السودانية الحالية والتي تنتقل الآن بكل ثقلها نحو الحدود الشرقية بعد ان وضعت أوزارها بكل من الاقليم الغربي وإقليم النيل الأزرق .. ولذلك كان النظام المقيم إقامة مؤقتة غير مرحب بها بشرق السودان ؛ يضع الف حساب لإقليم الشرق ويبني خططته الاستراتيجية علي الإحتفاظ بهذا الاقليم وتحييده سياسيا من خلال التحكم في واقعه الاجتماعي من خلال اجهزته الاستخباراتية والعسكرية والأمنية مستفيدا من علاقتها التقليدية بالعناصر الاجتماعية المحلية الممثلة في بعض الرموز التي لها ولاءات سياسية تنظيمية آيدولوجية مؤثرة وتقريبها لها من خلال توفير كل مستلزمات وأدوات الاستقطاب المادي والمعنوي والإعلامي وتجهيز المؤتمرات والتحشيد الشعبي .. الخ .. وقد لعبت شخصيات اجتماعية مؤثرة مثل السيد (محمد الامين ترك ) ناظر عموم الهدندوة وعضو المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية والفريق مدينة/ (شيبة ضرار ) رئيس تجمع حركات البجا وآخرون ، دورا مؤثرا في الفترة السابقة التي خلفت مرحلة قيام الثورة ؛ وظل الحال هكذا الي أن ضعف مستوي النشاط العسكري بجبهة اقليم دارفور بعد هزيمة أنصارهم وحليفهم بقوات المشتركة الدارفورية بالفاشر وكردفان ، الأمر الذي ادي الي قلق النظام ببورتسودان من خطورة هذا الوضع ومهدداته لنظام حكمهم الضعيف بشرق السودان . وعليه قام الفريق البرهان بتحريك ملف شرق السودان بتحريك أحلافهم التقليدية ولكن هذه المرة باستراتيجية جديدة تقوم علي ايجاد (لعيبة جدد) وبمواصفات مختلفة وتكتيك ذكي يدقدق مشاعر اهل الشرق و يضعهم في مقدمة الركب بحجز مقاعد امامية لهم في قطار التسوية السياسية المستقبلية الجديدة التي تضمن لهم المشاركة الفعلية في مخرجات مشروع (سلام الرباعية) الذي أعلن عنه مؤخرا (بواشنطن الأمريكية ) راعية المشروع بعد وساطة مقدرة من حليفهم الجديد بالمنطقة (محمد بن بن سلمان) ولي عهد المملكة العربية السعودية الذي سطع نجمه بالنجاح في حسم امر هذا الملف المعقد الشائك والذي بموجبه (سحب البساط من تحت الحلفاء التقليديين) بالمنطقة. وهنا نخلص الي أن الفريق / البرهان المحاصر بمهددات دولية واقليمية وحصار داخلي نتاج الحرب المستمرة وتطوراتها وزحفها السريع نحو حصار منفي حكومته ببورتسودان الحالي ؛ والتهديد المستمر والمباشر له من حلفائه بمعسكر الإسلاميين المدعومين بإشارات دولية خارجية ؛ وجد في الرباعية جواز السفر الأجنبي الذي يمكنه من العبور بنجاح في اجتياز هذه العقبة . وبالتالي كان لابد له ان يتوج ذلك النجاح بالدفع بورقة التوت الكهنوتية الإلهية بمعابد شرق السودان المهيأة للانفجار تحت أي لحظة ووجه من خلالها (صفعة قوية لحلفائه القدامي) وبموجب ذلك أعد له كهنة جهاز أمنه الاستخباراتي (صكا إلهيا جديدا) يتصدر المشهد فيه كهنة جدد يتمتعون بقبولا جماهيريا شعبيا واسعا (ويضمن في نفس الوقت للكهنة القدامي وضعا تمثيليا مشرفا) وبإعداد احتفاليا جماهيريا مراسميا شعبيا مباركا اعد له مسرحا فخيما مزدانا بكل وسائل الاحتفال ؛ من الصيوانات الفخيمة وكراسيها الوثيرة ومراسم بروتوكولية شبه رسمية وإعداد منصة خطابية لا تقل درجة عن المنصات الرئاسية بتغطية إعلامية مقدرة مع اعداد مرتب لشكل المخاطبات التي تعددت مستويات مضامينها ودلالاتها السياسية المرسلة الي حكومة بورتسودان وللآخرين ؛ والتي تفاعل معها جمهور الاحتفالية الذي لا يختلف في اهميته اثنان في مستوي حجم وكثافة المشاركين وتنوعهم . وهو الأمر الذي كان له تأثيره المباشر علي ردود الأفعال علي المستوي القومي ( وهو الأمر الذي لم يعلق عليه حتي الآن الفريق/ البرهان وأعضاء حكومته ببورتسودان التي تفصلها مسافة قريبة من همشكوريب ) وصمتت عنه وسائل اعلامهم الرسمية والمساندة . في المقابل كان اول (المتفاعلين مع هذا الحدث المناؤين لهم في المعسكر الآخر في معسكر التأسيس ) وقد تناول الكثيرون منهم هذا الحدث علي مستويات متابينة مباركين حامدين شاكرين مؤيدين لما تطرق له الاحتفال من قضايا جوهرية تهم اهل الشرق وهي تقع في دائرة اهتماماتهم .. وهنا تكون المفارقة العجيبة لامر هذا الحدث الذي (جمع بين طموحات المتخاصمين المتحاربين !!! ) وهي إشارة رمزية قد تجعلنا نفكر بفهم عميق ؛ هل يا تري ان الرباعية فعلا قد حسمت أمر هذه الحرب واعادت الكرة مرة أخري لمربع ما قبل الحرب والانقلاب علي الشرعية الثورية وعودة الدعم السريع وحكومة تأسيس وتقدم الي حضن النظام ببورتسودان ؛وبتسوية سياسية جديدة تضمن للجميع مشاركة في شكل الحكومة الجديدة المقترحة ؛ تضمن للشرق والأقاليم الاخري مستوي تمثيل حقيقي في الحكم ، وبرؤية جديدة تضمن مشاركة الجميع بدون إقصاء او هيمنة من المركز؛ وتضمن للعسكر وطرفا النزاع مشاركة وإفلات من مسؤلية الحرب . وبذلك ينهي أمد أطول واخطر حرب ونزاع علي السلطة المركزية وتؤسس لنظام جديد حديث بالسودان ؟ هذا ما تصفح عنه مقبل الايام . وستعاود لو بالعمر بقية..
سيف الدين صالح هارون
الولايات المتحدة 🇺🇸 الامريكية



