
عماد ابكر جدو
لم تعد الحرب في اليمن مجرد صراع عسكري بين التحالف العربي وجماعة الحوثي، بل تحولت إلى أزمة مركبة كشفت عن تصدعات عميقة داخل التحالف نفسه، وعلى رأسه الخلاف المتصاعد بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. هذا الخلاف، الذي ظل لفترة طويلة محكوماً بالضبط الدبلوماسي، خرج إلى العلن مع البيان الإماراتي الأخير الذي ردّ بلهجة حازمة على اتهامات سعودية، رافضاً ما وصفه بـ«المغالطات الجوهرية» و«الادعاءات المستهجنة»، ومؤكداً في الوقت نفسه حرص أبوظبي على أمن واستقرار المملكة.
تكشف هذه التطورات أن مسار الحرب في اليمن لم يَعد محكوماً بأهداف التحالف المعلنة عند انطلاقه، والمتمثلة في استعادة الشرعية ومواجهة التمدد الحوثي، بل بات ساحة لتضارب الأجندات واختلاف المقاربات، خاصة في ما يتعلق بدور القوى المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين داخل بنية “الشرعية” اليمنية. فخلال سنوات الحرب، استطاعت هذه القوى أن تتموضع داخل مؤسسات الدولة والقرار العسكري، وأن تستثمر الدعم الإقليمي والدولي بما يخدم مشروعها السياسي، الأمر الذي أدخل المملكة العربية السعودية في ما يشبه الفخ الاستراتيجي، حيث تداخل هدف حماية الحدود مع حسابات داخلية يمنية معقدة.
في المقابل، اتخذت الإمارات مقاربة أكثر تشدداً تجاه الإسلام السياسي، معتبرة أن الجماعات الإخوانية لا تقل خطورة عن الحوثيين، بل تشكل تهديداً طويل الأمد لاستقرار اليمن والمنطقة. هذا التباين الجوهري في الرؤية شكّل أحد أهم أسباب التوتر داخل التحالف، وفتح الباب أمام اتهامات متبادلة بشأن إدارة العمليات العسكرية والتعامل مع الأطراف المحلية، خصوصاً في محافظات الشرق اليمني مثل حضرموت والمهرة.
البيان الإماراتي الأخير لم يكن مجرد رد دفاعي، بل حمل رسائل سياسية عميقة، أبرزها رفض أبوظبي القاطع للزج باسمها في أي توتر يمني–يمني، أو اتهامها بتأجيج الصراع أو تهديد أمن المملكة. كما شدد البيان على أن العربات التي أُدخلت إلى ميناء المكلا كانت مخصصة للقوات الإماراتية العاملة في اليمن، وبعلم وتنسيق مسبق مع الرياض، وأن استهدافها مثّل صدمة غير متوقعة، ما يعكس مستوى التراجع في الثقة والتنسيق داخل التحالف.
الأهم من ذلك أن البيان الإماراتي أعاد التذكير بأن وجودها في اليمن جاء بدعوة من الحكومة الشرعية وضمن التحالف العربي، وأنها قدمت تضحيات كبيرة في سبيل تحقيق أهدافه. هذا التذكير يحمل في طياته إشارة واضحة إلى أن الشراكة الاستراتيجية التي جمعت الرياض وأبوظبي في بداية الحرب تعرضت لتآكل حقيقي، وأن المملكة باتت عملياً من دون شريك أصيل ومتفاهم في إدارة هذا الملف المعقد.
لا تقف تداعيات هذا الخلاف عند حدود اليمن، بل تمتد إلى ملفات إقليمية أخرى، وفي مقدمتها السودان، حيث تلقي الحرب المستمرة بظلالها على أداء “الرباعية الدولية” التي تضم السعودية والإمارات ومصر والولايات المتحدة. فقد أدى التباين في الرؤى والمصالح بين أطراف الرباعية إلى إضعاف قدرتها على صياغة موقف موحد وفعّال تجاه الأزمة السودانية، ما أتاح للأطراف المحلية المتحاربة هامشاً أوسع للمناورة وإطالة أمد الصراع.
انشغال المملكة العربية السعودية باستنزافها في اليمن، وتورطها في تعقيدات المشهد اليمني الداخلي، قلّص من قدرتها على لعب دور حاسم في ملفات إقليمية أخرى، في وقت تتعامل فيه الإمارات ببراغماتية أعلى، مدفوعة بحسابات أمنية واقتصادية مختلفة. هذا الواقع جعل الرباعية إطاراً هشاً، أقرب إلى تنسيق شكلي منه إلى تحالف ضاغط قادر على فرض حلول سياسية.
تكشف الأزمة الراهنة أن المشكلة لم تعد تكتيكية أو مرتبطة بحادثة عسكرية بعينها، بل باتت أزمة بنيوية في إدارة التحالفات الإقليمية. ففخ “إخوان اليمن”، وتآكل الثقة بين الرياض وأبوظبي، وتعدد ساحات الصراع المفتوحة من اليمن إلى السودان، كلها مؤشرات على أن النهج القائم بات مكلفاً وغير قابل للاستدامة. ومن دون مراجعة جذرية لمسار الحرب في اليمن، وإعادة تعريف الشراكات على أسس أوضح وأكثر واقعية، ستظل المنطقة رهينة لصراعات طويلة الأمد، يدفع ثمنها الأمن والاستقرار الإقليميان.




