
عبد الناصر حمزة
رغم ما شهدته مدينة نيالا من دمار واسع خلال الحرب، وما طالها من خراب في بنيتها التحتية ومرافقها الحيوية، فإن هذه المدينة التي طالما شكّلت درة غرب السودان استطاعت أن تثبت مرة أخرى قدرتها على النهوض من تحت الركام. فنيالا، التي عرفها أهلها باسم “نيالا البحير”، تميزت على الدوام بتنوعها الثقافي والاجتماعي، وكانت نموذجاً مصغراً للسودان بثرائه وتعدده وتعايش مكوناته.
قبل اندلاع الحرب، كانت المدينة مركزاً تجارياً وثقافياً نابضاً بالحياة، وواحدة من أهم المدن التي شهدت نمواً مستمراً في مختلف مناحي التنمية. لكن الحرب قلبت المشهد رأساً على عقب، حيث تعرضت أحياء واسعة لدمار كبير، وانهارت خدمات أساسية بسبب المواجهات والقصف الجوي الذي أصاب مرافق حيوية ودمر شبكات الكهرباء والطرق، فتحولت المدينة إلى صورة حزينة تملؤها رائحة البارود ويكسوها الحزن من كل جانب.
واجه سكان نيالا أوضاعاً معيشية بالغة القسوة؛ فقد شحّت المواد الغذائية، وأغلقت الأسواق، وأصبحت الحركة داخل المدينة محفوفة بالمخاطر، مما دفع الآلاف للنزوح إلى مناطق أخرى. غير أن التحول الأكبر بدأ في أكتوبر 2023، عندما استعادت المدينة استقرارها الأمني، فعاد كثير من السكان إلى بيوتهم، وبدأت الحياة تعود تدريجياً مع إطلاق الإدارات المدنية التي لعبت دوراً مهماً في ترميم ما يمكن ترميمه من حياة الناس وعلاقاتهم الاجتماعية.
ومع تشكيل هياكل مدنية تهدف إلى توفير الخدمات الأساسية، بدأت المدينة تشهد خطوات فعلية باتجاه إعادة البناء، حيث تمت إنارة الطرق الحيوية، وتحسين خدمات المياه، وتأسيس أجهزة عدلية تعمل على بسط سيادة القانون، في مشهد أعاد الأمل بعودة الحياة الطبيعية دون تمييز أو استثناء.
ولم يكن الدور المجتمعي بعيداً عن هذا التحول؛ فقد برزت مبادرات شبابية أعادت للمدينة جانباً من جمالها، مثل ترميم ساحة “صينية السينما” التي استعادت رونقها وألوانها، وتجهيز محيط “ميزان العدالة” في صينية مجمع المحاكم ليظهر بحلّة تعكس مرحلة جديدة عنوانها الإنصاف وسيادة القانون. كما عاد وادي برلي ليكون متنفساً للأسر، تحفّه أشجار المانجو التي ظلت شاهدة على تاريخ المدينة وتحولاتها.
وعادت المنتديات الثقافية للظهور مثل “أوتار وقوافي” و”لمّتنا” و”شباب حي الوحدة”، فكان ذلك بمثابة عودة الروح لمدينة أنهكتها الحرب، وإشارة واضحة إلى إرادة مجتمع يسعى إلى استعادة حياته رغم كل الجراح.
وهكذا، تمضي نيالا اليوم بثبات من بين ركام الدمار نحو فضاء واسع من التعافي، مستعيدةً مكانتها كمدينة تستحق الحياة، وتتهيأ لمرحلة جديدة من النمو والازدهار.




