رأي

عمسيب: ظلالٌ من أشباح مشروع عبد الرحيم حمدي

علي جاد الله

 

علي جاد الله

لا يبدو عبد الرحمن عمسيب صاحب مشروع سياسي متكامل أو رؤية وطنية قابلة للحياة، بقدر ما يعكس حالة من الارتداد إلى أنماط تفكير أمنية ضيقة، تشكّلت داخل مؤسسات نظام الإنقاذ، لا سيما جهاز المخابرات، حيث سادت فكرة “وحدة أمن القبائل” باعتبارها أداة للضبط والسيطرة، لا لبناء الدولة أو إدارة التنوع. هذه المقاربة، بطبيعتها، لا تنتج سياسة عامة، بل تعيد إنتاج الصراع وتغذّي الانقسامات الاجتماعية.

لفهم موقع عمسيب اليوم، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي الذي تشكّلت فيه مشاريع الهيمنة في السودان. ففي عهد الرئيس جعفر نميري، وبتأثير من محيطه الفكري والسياسي، خاصة عبر شخصيات مثل محي الدين صابر، طُرحت سياسات “التعريب” باعتبارها جزءاً من مشروع هوية منسجم مع موجة الصحوة العربية ومناخ الحرب الباردة، حيث كان العالم منقسماً بين معسكرين، وتسعى النخب الحاكمة إلى تثبيت شرعيتها عبر خطاب أيديولوجي جامع، ولو كان إقصائياً.

لكن التحول الأخطر جاء مع استيلاء الجبهة الإسلامية على السلطة، حيث لم تعد الدولة إطاراً جامعاً، بل جرى اختزالها في التنظيم. وأُعيد توزيع الثروة والسلطة على أساس الولاء السياسي، الذي تداخل بدوره مع الانتماءات القبلية والجهوية. في هذا السياق، قُدّم ما عُرف بـ“مثلث حمدي” بوصفه التعبير الأكثر فجاجة عن حدود المشروع الإسلامي، إذ حُدد نطاق السيطرة والاستثمار والتنمية في المساحة الممتدة من الأبيض إلى دنقلا وبورتسودان، بينما تُركت بقية البلاد خارج المعادلة، تُدار بسياسات الحرب أو التهميش أو التبعية.

عبد الرحمن عمسيب لا يقدّم مشروعاً جديداً بقدر ما يعيد إنتاج هذا المنطق، ولكن بصورة أكثر تشوهاً. فهو لا يظهر كصاحب رؤية لتطوير “المثلث” أو حتى الدفاع عنه اقتصادياً أو اجتماعياً، بل كفاعل مباشر في تأجيج الصراع الاجتماعي، عبر استدعاء الهويات الدنيا وتوظيفها في معارك سياسية قصيرة الأفق. بذلك يصبح عمسيب ظلاً باهتاً لمشروع حمدي، بلا بعد تخطيطي أو اقتصادي، بل مجرد أداة صدام.

إن أخطر ما في هذا النموذج أنه لا يسعى لبناء دولة أو عقد اجتماعي جديد، بل يراكم أسباب الانهيار، ويعيد السودان إلى مربعات الاستقطاب التي أثبت التاريخ فشلها. فالدولة لا تُبنى بالأمن وحده، ولا بالقبيلة، ولا بتقسيم البلاد إلى مراكز وهوامش دائمة، بل برؤية وطنية شاملة تعترف بالتنوع، وتؤسس للعدالة والمواطنة. وما دون ذلك ليس مشروعاً سياسياً، بل مجرد ظلّ عابر لأشباح الماضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!