مقال الخميس :في الذكرى السابعة لثورة ديسمبر المجيدة:لكيلا ننسى.. ما فعلوه (2-2)!!
دكتور عمر القراي

(هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) صدق الله العظيم
د. عمر القراي
قلنا في آخر مقالنا السابق “لكل ما تقدم، وأكثر، ثار الشعب السوداني على الإخوان المسلمين، وأسقط حكمهم. فهل قبل الإخوان المسلمون بحكم الشعب عليهم؟!”
لقد حاولت كتائبهم، إجهاض الثورة، بالمشاركة مع القوات النظامية، في قمع المتظاهرين. وكان منهم القناصون، الذين يصيدون شباب الثورة من قمم العمارات الشاهقة. ولقد كانت المظاهرات التي استمرت لعدة أشهر، تتفاقم كل يوم، ويقع الشهداء فيها كل ساعة. وحين يئسوا من قمع الثورة، بدأت قياداتهم تهرب خارج البلاد. وحين استمر القتل للثوار، تحركت المظاهرة الضخمة، نحو القيادة العامة، وعلا هتاف »شعب واحد، جيش واحد«. وهناك أمام القيادة العامة، تم الاعتصام، الذي كان بحق أكبر تجمع سلمي في تاريخ السودان. وكان الثوار يعتبرون أن الجيش جيش وطني ولهذا سيحميهم من مليشيات الإخوان المسلمين وقتلة جهاز الأمن. ولقد ضرب الشباب، في الاعتصام، نموذجاً فريداً، من الوحدة الشعبية، ومعيشة القيم الرفيعة، في التعاون، والاخاء، والمسؤولية. ولقد كان الاعتصام، من أكبر الهزائم الأخلاقية للإخوان المسلمين. إذ جسد كل القيم التي غيبوها عن الشعب، لطمس هويته خلال ثلاثين عاماً. وحين تخلصت اللجنة الأمنية لنظام عمر البشير من الرئيس وقادة نظامه، وأعلنت سقوطه، وبدأت تتفاهم مع “قوى الحرية والتغيير” و”التجمع النقابي” الذي كان يوجه المظاهرات، كانت تظن أن الاعتصام سينفض، ولكن الثوار بقوا في الاعتصام، حتى يروا الحكومة الجديدة، ويتأكدوا من أنها هل ستطبق شعارات الثورة أم لا. ولما كان الاعتصام يمثل وجود الثوار، وعلو كلمتهم، فإن اللجنة الأمنية، كانت تسعى الى التخلص منه، ولكنها كانت مترددة في فض الاعتصام، ولا تجد مبرراً للقيام بعنف ضد ثوار، أسقطوا نظاماً عسكرياً، بمظاهرات سلمية. وهنا لعب الإخوان المسلمون، أقذر ادوارهم، وأكثرها خبثاً، وانحطاطاً، وتفاهة، فحاولوا تشويه سمعة الاعتصام، واتهموا الثوار بالممارسات غير الأخلاقية، وبتعاطي المخدرات، والخمور!! وطالبوا العساكر بفض الاعتصام، حفاظاً على الدين والأخلاق ومحاربة للرذيلة. وبعد فترة، اعترف بعضهم، بأنهم هم الذين أدخلوا المخدرات، والخمور، وبعض بائعات الهوى، للاعتصام، للتحرش بالشبان الصائمين المعتصمين!! لقد كان هناك اجتماع رسمي لكل القوات النظامية، ومعها الدعم السريع، وقرر ذلك الاجتماع فض الاعتصام. ومعلوم أن فض التجمعات، يتم بالغاز المسيل للدموع، أو خراطيم المياه، وبالعصي والهراوات. وقد جاءت بعض القوات تحمل العصي فعلاً. ولكن يبدو أن اجتماعاً آخر، بين الإخوان المسلمين في قيادات الجيش، وجهاز الأمن، والدفاع الشعبي، وكتائب الظل التابعة للمؤتمر الوطني، قد قرر أن المطلوب ليس فض الاعتصام، وإنما قتل المعتصمين، بصورة بشعة، تسبب صدمة، تشل أي فكرة تظاهر، أو مقاومة في المستقبل. ثم تقوم اللجنة الأمنية، بإعلان حكومة، بعيداً عن القوى المدنية، تعيد فيها الإخوان المسلمين الى الحكم مرة أخرى. لذلك قفلوا المنافذ على الشباب، حتى لا يستطيعوا الهرب، وبدأوا يضربونهم بالرصاص الحي، دون إنذار، أو أمر بفض الاعتصام. وكانت عملية انتقامية، تحرق فيها الخيام على من ينامون فيها، ويضرب الشبان، والشابات، وتثقل أجسادهم بالحجارة، ويلقوا في النيل. وكانت تتم شتائم، وإساءات، وإهانات، وتم اغتصاب لمجموعة من النساء، داخل مسجد جامعة الخرطوم!! وليس للجيش حقد على هؤلاء الشباب، وإنما الحاقد عليهم هم الإخوان المسلمون، لأنهم أسقطوا حكمهم، ويمكن إذا استقر الحكم المدني، أن يقدموهم لمحاكمات. وبعد جريمة فض الاعتصام، خرج البرهان في خطاب للشعب، لم يذكر فيه الذين قتلوا، ولم يترحم عليهم، ولم يذكر من الذي فض الاعتصام، بل ذكر انه لن يتعامل مع “قوى الحرية والتغيير”، وأنه سيكون حكومة انتقالية، ويختار الجانب المدني منها من التكنوقراط. ولكن خرجت المظاهرات في يوم 30 يونيو من عام 2019م، وفاقت كل تصور، واضطرت البرهان ليتصل ب”قوى الحرية والتغيير” ويتفق معهم على الوثيقة الدستورية، والتي بناء عليها قامت حكومة الثورة، التي كان على رأسها د. عبد الله حمدوك.
ماذا فعل الإخوان المسلمون لحكومة الثورة؟
بدأوا بإخفاء السلع، بواسطة تجارهم الذين كانوا مسيطرين على السوق أصلاً، وأخذوا الدقيق والسكر من المخازن، وألقوا بكميات في النيل، ودفعوا أموالاً طائلة لشراء الوقود، ثم اهداره على الأرض. وكل الغرض هو خلق أزمة، تثير الشعب ضد حكومة الثورة، ليعلنوا فشلها، ثم يعودوا الى السلطة. ولكن بسبب تقدير العالم للثورة، استطاعت حكومة حمدوك، أن ترفع اسم السودان، من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وأن تعفي السودان من المديونية أمام الصناديق الدولية، وتوفر له مبالغ هائلة من الإعانات، حسنت وضع الاقتصاد السوداني، وحققت فائضاً، يمكن أن يتم به استيراد السلع الضرورية. لهذا اتجه الإخوان المسلمون لمنع الواردات للبلد، فوجهوا أحد كوادرهم في شرق السودان، وهو الناظر “محمد الأمين ترك” بأن يقفل الميناء، ويقفل طريق الخرطوم بورتسودان، حتى تحدث الأزمة التي يريدونها. ولكن مكيدة “ترك” جعلت المواطنين يكرهونهم، بدلاً من كراهية حكومة الثورة، فتركوا ذلك واتجهوا الى شيطنة القوى المدنية، وشيطنة حكومة الثورة. فهاجموا تغيير المناهج، وافتعلوا أكاذيب، حركوا به البسطاء من المساجد، وهاجموا وزير الصحة، حين اعترض على ما فيا الأدوية، التي تصب في جيوبهم. ثم قرروا تحريك الشارع، بمظاهرات منظمة، مدفوعة الاجر، أجروا لها البصات، وقدموا فيها الوجبات، وأسموها “الزحف الأخضر”.. فأسماهم شباب الثورة “الزواحف”!! وفشلت مسيراتهم، رغم أن الجانب العسكري كان يدعمهم، ويفتح لهم الطريق، حتى وصلوا الى القصر الجمهوري، واعلنوا اعتصام القصر، في محاولة لادعاء انهم يمكن أن يفعلوا اعتصام مثل اعتصام القيادة العامة. وكان اعتصام القصر ممول بخيام، وأكل، وموز من أموال الحكومة، فسماه الثوار “اعتصام الموز”!! واخذ فلول النظام البائد، من منصة “اعتصام الموز” يشجعون البرهان على الانقلاب، على حكومة الثورة، والتخلص من “قوى الحرية والتغيير”. وكان أحد قادتهم “التوم هجو” يصرخ ” والله ما بنرجع، إلا البيان يطلع”!! ولم يكن البرهان ليحفل بأمثال التوم هجو، ولكنه كان ينتظر توجيه قيادة الإخوان المسلمين، فأمروه باستلام السلطة، واعتقال حمدوك وحكومته، فقام بانقلاب 25 أكتوبر 2021م. ولكنه لم يستطع إقامة حكومة مدنية بديلة لها تلبي رغبة الشعب، فلم يتوقف الشارع عن المظاهرات، رغم قتل الثوار. فاضطر ليذهب الى حمدوك، ويرجوه العودة، وعاد حمدوك، بالرغم من رفض الشارع، ورفض “قوى الحرية والتغيير”. وذكر حمدوك انه عاد للحكومة، بشرط إيقاف قتل المتظاهرين الذي وعدوه به، كثمن لعودته، ولكنهم غدروا به، وخانوا عهده معهم، ولم يوقفوا القتل فاضطر حمدوك لتقديم استقالته. وذهب وترك البرهان في حيرته، خاصة وأن حليفه الدعم السريع، بدأ ينقده علناً، على إعادة الإخوان المسلمين لمناصبهم، وإعادة ثرواتهم لهم، بعد أن حل لجنة تفكيك نظام الإنقاذ التي كانت قد صادرت منهم الأموال التي نهبوها من الشعب، وأودع أعضائها السجن. ولما لم يستطع البرهان تكوين حكومة يقبلها العالم، لم يجد بداً من اللجوء ل”قوى الحرية والتغيير” مرة أخرى، ولكنهم هذه المرة، كانوا قد أعدوا وثيقة جديدة، بديلة للوثيقة الدستورية سموها ” الاتفاق الإطاري”. وقد طلبوا من البرهان، ومن حميدتي، التوقيع عليها، كأساس للتفاهم معهم، لتحديد ملامح الفترة الانتقالية. فوقع البرهان ممثلاً للجيش، ووقع حميدتي ممثلاً للدعم السريع، على “الاتفاق الإطاري” في ديسمبر 2022 وكان من أهم شروطه إنهاء انقلاب 25 أكتوبر 2021 والالتزام بتأسيس سلطة مدنية كاملة تقود المرحلة الانتقالية، وخروج المؤسسة العسكرية من العمل السياسي المباشر، وتوحيد وإصلاح المنظومة العسكرية والأمنية، وتنفيذ العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في قتل المتظاهرين، واستعادة مسار تفكيك نظام الإنقاذ.. وخرج كلا الرجلين في فيديوهات تم نشرها، يؤكدان أن “الاتفاق الإطاري” هو الأفضل، وانهما لن يتنازلا عنه. ولكن الإخوان المسلمين رأوا أن “الاتفاق الإطاري” سوف يأتي بحكومة مدنية، وجيش مهني واحد، وسوف تعود مطاردتهم على ما ارتكبوا من جرائم، ونهبوا من أموال خلال ثلاثين عاماً. فرفضوا “الاتفاق الإطاري” وأمروا البرهان، أن يبلع كل تصريحاته، ويرفضه ففعل!! وحاول أن يسوق حميدتي معه، ولكن حميدتي رفض، وظل على موقفه، مما قطع الطريق على الإخوان المسلمين. فرأوا أنه ليس هناك حل، إلا الخلاص من حميدتي أولاً، ثم بعد ذلك الخلاص من “قوى الحرية والتغيير”. ووجهوا البرهان بذلك، لكنه كان متردداً، لأنه يعرف مدى قوة الدعم السريع. فرأى الإخوان المسلمون أن يدفعوه دفعاً للحرب، فبعد إثارة الحماس بالخطب في إفطارات رمضان، هجموا على الدعم السريع في المدينة الرياضية، فبدأ يدافع عن نفسه، وتبعتهم قيادات الجيش من الإخوان المسلمين، ووجهت الجنود، مما ادخل الجيش كله في الحرب، التي اندلعت في 15 أبريل 2023م، وما زالت مستمرة حتى اليوم.




