رأي

دولة اللصوص المقنّعين: كيف ابتلعت الكلبتوقراطية السودانية الوطن باسم النخب؟

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

ليس من المبالغة القول إن مأساة السودان الحديثة ليست قدرًا جغرافيًا ولا لعنة تاريخية، بل نتاج منظومة متكاملة من الكلبتوقراطية؛ أي حكم اللصوص، حيث تحوّلت الدولة إلى غنيمة، والسلطة إلى وسيلة للإثراء، والموارد الوطنية إلى حسابات خاصة داخلية وخارجية. في هذا السياق، لعبت النخب العسكرية والمدنية، عبر عقود طويلة، دورًا محوريًا في إهدار الموارد وتعميق الفساد وفتح الطريق أمام صراعات لا أول لها ولا آخر.

السودان ليس بلدًا فقيرًا. هذه حقيقة مادية تكذبها الوقائع على الأرض وتؤكدها الدراسات. فهو من أكثر الدول الإفريقية ثراءً بالموارد الطبيعية: أراضٍ زراعية شاسعة، مياه، ثروات معدنية، نفط، ذهب، وموقع جيوسياسي بالغ الأهمية. ومع ذلك، ظل المواطن السوداني يدفع ثمن الفقر والحروب والانهيار، بينما راكمت قلة قليلة ثروات فاحشة لا تتناسب مع أي نشاط إنتاجي مشروع. هنا تتجلى الكلبتوقراطية بأوضح صورها: ثراء بلا إنتاج، وسلطة بلا مساءلة.

الدور الأخطر لم يكن فقط في نهب الموارد، بل في طريقة إدارة الفساد سياسيًا وإعلاميًا. فقد تشكل تحالف غير معلن بين نخب عسكرية ونخب مدنية بيروقراطية وطفيلية، ارتبط جزء معتبر منها بمصالح إقليمية، وعلى رأسها الدولة المصرية، عبر شبكات مصالح اقتصادية وأمنية عابرة للحدود. هذا الارتباط لم يكن عفويًا، بل خدم معادلة واضحة: حماية الامتيازات مقابل تسليم القرار الوطني وتوجيه الموارد بما يخدم هذه الشبكات.

ولكي تستمر هذه المنظومة، كان لا بد من صناعة سرديات مضللة. لم تكن الحروب في السودان مجرد انفجارات عفوية للصراع، بل جرى تغذيتها عبر اختراع الأعداء وتحويل الأنظار بعيدًا عن الفساد البنيوي. كما يقول الفيلسوف العالمي نعوم تشومسكي: “إذا أردت غزو شعب اصنع لهم عدوًا وأوهمهم أنه أكثر خطرًا منك، ثم كن المنقذ لهم”. بهذه القاعدة البسيطة، أُنهكت الدولة السودانية: عدو داخلي اليوم، وخطر وجودي غدًا، ومؤامرة كونية بعد غد، بينما اللص الحقيقي يجلس في قلب السلطة.

ويُكمل غوستاف لوبون هذه الصورة حين يقول: “إن معرفة فن التأثير على مخيلة الجماهير تعني معرفة فن حكمها”. لقد أتقنت النخب السودانية هذا الفن الرديء؛ خطاب تعبوي، تخويف مستمر، وشحن عاطفي يُستخدم لإدامة السيطرة لا لحماية الوطن. وهكذا، جرى تحويل الجماهير من قوة تغيير إلى وقود لحروب عبثية، ومن ضحية فساد إلى متهم في وطنه.

غير أن هذه اللعبة، وإن طال أمدها، لم تعد صالحة للاستهلاك. فـ”الجرة لا تسلم كل مرة”. الشعوب السودانية، رغم الجراح، بدأت تستعيد وعيها التاريخي. لم تعد تلك السرديات تجد آذانًا مصغية كما في السابق. لقد استوعب الناس الدرس: المشكلة ليست في عدو متخيّل، بل في نخب حقيقية دمرت البلاد وأهدرت الموارد واحتكرت الدولة.

اليوم، يقف السودان أمام مفترق طرق حاسم. لا مستقبل مع إعادة تدوير نفس النخب، ولا خلاص مع استمرار نفس العقلية التي ترى الدولة كغنيمة. الخيار الوحيد المتبقي هو تأسيس وبناء دولة سودانية جديدة، تقوم على أسس عادلة ومستدامة: دولة مؤسسات لا أشخاص، دولة قانون لا امتيازات، دولة تُدار لصالح مواطنيها لا لصالح شبكات الفساد الإقليمية.

الكلبتوقراطية ليست مجرد فساد مالي، بل هي نمط حكم كامل يقوم على تشويه الوعي، وتدمير السياسة، وتسليع الوطن. ومواجهتها تتطلب شجاعة فكرية قبل أن تكون معركة سياسية. السودان لا تنقصه الموارد، بل تنقصه الإرادة الصادقة لقطع الطريق أمام دولة اللصوص، وبناء دولة المواطنين. وهذا هو الرهان الحقيقي للمرحلة القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!