حين تنقلب المفوضية على مبادئها: مساءلة قانونية لرئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي
الاستاذ يعقوب التجاني المحامي

الاستاذ يعقوب التجاني المحامي
لم تعد أزمة السودان شأناً داخلياً صرفاً، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لمدى التزام المنظمات الإقليمية، وفي مقدمتها الاتحاد الأفريقي، بمبادئها التأسيسية وقواعد عملها المؤسسية. فالدور الذي لعبه رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي في التعاطي مع الأزمة السودانية أثار أسئلة قانونية جوهرية حول حدود الصلاحيات، وواجبات الحياد، ومخاطر تسييس موقع يفترض فيه أن يكون ضامناً للمبادئ لا طرفاً في الصراع.
إن البيانات السياسية، مهما كانت لهجتها، لا تكفي وحدها لإدانة مسؤول دولي، ما لم تُقاس على نصوص قانونية واضحة، وتُواجه بإجراءات طعن وشكاوى رسمية وفق النظم المعمول بها. غير أن خطورة المسألة لا تكمن فقط في مضمون البيانات، بل في موقع من يصدرها، والسياق المؤسسي الذي يُفترض أن يلتزم به.
الإطار القانوني لعمل مفوضية الاتحاد الأفريقي
تُعد مفوضية الاتحاد الأفريقي الجهاز التنفيذي والإداري الرئيسي للاتحاد، وتعمل بوصفها سكرتارية فنية وتنفيذية، لا هيئة سياسية مستقلة بذاتها. وقد حدّد النظام الأساسي للمفوضية مهامها وصلاحياتها بشكل دقيق، منعاً لتغوّلها على أجهزة الاتحاد الأخرى، أو انحرافها عن الأهداف التي أنشئت من أجلها.
تنص المادة الثالثة من النظام الأساسي لمفوضية الاتحاد الأفريقي على أن من مهام المفوضية تنفيذ القرارات الصادرة عن أجهزة الاتحاد، وتعزيز السلام والأمن والاستقرار في القارة، والترويج لأهداف الاتحاد ومبادئه. ويُفهم من هذا النص أن المفوضية لا تملك تفويضاً مفتوحاً لاتخاذ مواقف سياسية من تلقاء نفسها، بل تلتزم بما تقرره الأجهزة المختصة، وعلى رأسها مجلس السلم والأمن، والجمعية العامة للاتحاد.
كما أن المفوضية، بحكم طبيعتها، مطالبة بالالتزام الصارم بمبدأ الحياد المؤسسي، وعدم الانحياز لأي طرف في نزاعات داخلية، خاصة عندما يكون الاتحاد قد اتخذ موقفاً رسمياً واضحاً، كما هو الحال في تجميد عضوية حكومة نتجت عن تغيير غير دستوري.
حدود صلاحيات رئيس المفوضية ومسؤولية الحياد
حددت المادة الثامنة من النظام الأساسي للمفوضية مهام المفوضين، ومن بينهم رئيس المفوضية، باعتبارهم مسؤولين عن اتخاذ التدابير اللازمة لتعزيز أهداف الاتحاد الأفريقي، وتحسين أدائه، وتمثيله دبلوماسياً في إطار تلك الأهداف والمبادئ.
وبموجب هذا النص، فإن رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي ليس فاعلاً سياسياً مستقلاً، ولا ناطقاً باسم مواقف شخصية أو وطنية، بل ممثل لمؤسسة قارية تحكمها قواعد وضوابط صارمة. وتمثيله الدبلوماسي للاتحاد يجب أن يكون مطابقاً لمقرراته الرسمية، لا متجاوزاً لها أو متناقضاً معها.
وتزداد مسؤولية رئيس المفوضية جسامة بحكم موقعه، إذ يُفترض أن يكون الضامن الأول لاحترام الحياد، وأن يمتنع عن أي فعل أو تصريح يمكن أن يُفهم باعتباره دعماً لطرف على حساب آخر، أو تدخلاً في مسار نزاع داخلي، أو تشجيعاً غير مباشر لتغييرات غير دستورية.
التعارض بين التصريحات والميثاق التأسيسي للاتحاد
عند الرجوع إلى القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي، نجد أن المادة الثالثة تحدد أهدافاً واضحة، من بينها تعزيز السلام والأمن في القارة، ودعم المبادئ والمؤسسات الديمقراطية، وتعزيز المشاركة الشعبية والحكم الرشيد، وحماية حقوق الإنسان والشعوب وفق المواثيق الإقليمية والدولية.
كما تنص المادة الرابعة على جملة من المبادئ الحاكمة، أبرزها احترام الديمقراطية، وسيادة حكم القانون، وحقوق الإنسان، وإدانة ورفض التغييرات غير الدستورية للحكومات. وهذه المبادئ ليست شعارات أخلاقية، بل قواعد قانونية مُلزِمة لكل أجهزة الاتحاد وموظفيه.
بناءً على ذلك، فإن أي تصريحات أو بيانات تصدر عن رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي تُفهم على أنها دعم لحكومة نتجت عن انقلاب عسكري، أو ترويج لانتصارات عسكرية لطرف متورط في نزاع داخلي، تُعد خروجاً واضحاً عن هذه المبادئ، وتناقضاً مع الموقف الرسمي للاتحاد الذي سبق أن جمد عضوية تلك الحكومة.
والخطورة هنا لا تتعلق فقط بمخالفة شكلية، بل بتقويض مصداقية الاتحاد الأفريقي نفسه، وإفراغ قراراته من مضمونها، حين يبدو أن أعلى مسؤول تنفيذي فيه يتصرف بمعزل عن تلك القرارات.
المساءلة المؤسسية ومعايير المسؤولية الدولية
إن قواعد سلوك أعضاء مفوضية الاتحاد الأفريقي، وتحديداً المادة الرابعة منها، تلزم الأعضاء بعدم تلقي تعليمات من أي حكومة أو سلطة خارج إطار الاتحاد عند أداء واجباتهم، كما تحظر عليهم القيام بأي عمل من شأنه التأثير سلباً على مركزهم أو حيادهم داخل المفوضية.
وعندما يختلط الموقف الوطني لدولة ينتمي إليها المسؤول بموقف المؤسسة القارية التي يمثلها، فإن ذلك يشكل تضارب مصالح واضحاً، يرقى إلى مخالفة تستوجب المساءلة. فالمسؤول الدولي مطالب بأن يتجرد، في أدائه الوظيفي، من أي انحياز وطني، وأن يلتزم فقط بما تفرضه القواعد والمؤسسات التي يعمل باسمها.
وعليه، فإن الطريق القانوني السليم لا يتمثل في الاكتفاء بالإدانة السياسية أو الإعلامية، بل في تحريك شكاوى رسمية، وفتح إجراءات مساءلة داخل أجهزة الاتحاد الأفريقي، وفق القواعد المعتمدة. فالمؤسسات لا تُصلح بالخطاب وحده، بل بتفعيل آليات المحاسبة التي أنشئت لضمان نزاهتها واستقلالها.
الدفاع عن الاتحاد لا يكون بتسييسه
إن القضية المطروحة لا تتعلق بشخص بعينه، ولا بجنسية مسؤول معين، بل بمبدأ جوهري: هل تظل مفوضية الاتحاد الأفريقي أداة لحماية القيم المشتركة للقارة، أم تتحول إلى منصة لتصفية مواقف سياسية لحكومات بعينها؟
إن الدفاع الحقيقي عن السودان، وعن أفريقيا، يمر عبر حماية حياد المؤسسات الإقليمية، لا عبر تسييسها. فالذي ينشد العدالة لا بد أن يأتيها بأيدٍ نظيفة، خالية من أي لوث انحياز أو تضارب مصالح. وإذا سُمح لمسؤولي المفوضية بتجاوز صلاحياتهم دون مساءلة، فإن ذلك يفتح الباب لتقويض ما تبقى من ثقة في العمل الأفريقي المشترك.
إن احترام القواعد ليس مسألة إجرائية، بل شرط أساسي لبقاء الاتحاد الأفريقي كمنظمة قادرة على لعب دور إيجابي في إدارة النزاعات وحماية الشعوب. ومن هنا، فإن تفعيل آليات المساءلة ليس استهدافاً، بل ضرورة مؤسسية لضمان أن تبقى المفوضية وفية للغرض الذي أُنشئت من أجله.




