
سمية النور دهب
لا يمكن فهم الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 بوصفها مجرد مواجهة مسلحة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع على السلطة أو النفوذ. فهذه الحرب تمثل، في جوهرها، لحظة انكشاف كبرى لأزمة بنيوية ظلت تتراكم في بنية الدولة السودانية منذ نشأتها: دولة لم تُحسم فكرتها، ولم يُتفق على معناها، ولم تُصَغ علاقتها بالمجتمع عبر عقد اجتماعي عادل وشامل.
لقد كشفت الحرب هشاشة الدولة أكثر مما كشفت قوة المتحاربين. مؤسسات انهارت سريعًا، وولاءات تفككت، وسلاح تحرّك خارج أي إطار وطني جامع. وهذا الانهيار لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة مباشرة لعجز النخب السياسية المتعاقبة عن معالجة الأسئلة التأسيسية المؤجلة: من نحن؟ وكيف نعيش معًا؟ وعلى أي أساس تُدار السلطة وتُوزّع الموارد؟
تاريخ السودان السياسي هو تاريخ صراع غير محسوم بين المركز والهامش. فقد تركزت السلطة والثروة لعقود في نطاق جغرافي واجتماعي محدود، مقابل تهميش مزمن للأقاليم. ومع غياب العدالة في التنمية والتمثيل، تراكم شعور عميق بالغبن، وتحولت الهوية المحلية من انتماء ثقافي طبيعي إلى أداة احتجاج ومقاومة في وجه دولة لا تُشبه مواطنيها.
وفي موازاة ذلك، ظل الجدل حول هوية الدولة معلقًا بين تصورات متناقضة: عربي/أفريقي، ديني/مدني، دون السعي إلى صيغة تركيبية تعترف بالتعدد بوصفه حقيقة مؤسسة للدولة لا خطرًا عليها. هذا الارتباك الفكري أنتج دولة مركزية سلطوية، تعيد إنتاج نفسها عبر الانقلابات والتحالفات الهشة، وتفشل في كل مرة في بناء شرعية مستدامة.
الحرب الحالية ليست إلا نتيجة طبيعية لهذا الفشل. فعندما تغيب الدولة بوصفها إطارًا جامعًا، تتقدم القوة العارية، وتصبح السلاح لغة السياسة الوحيدة. وحين تعجز النخب عن تخيّل دولة المواطنة، تملأ الهويات الجزئية الفراغ، وتتفكك الروابط الوطنية أمام أول اختبار حقيقي.
إن وقف الحرب، على ضرورته الإنسانية العاجلة، لا يكفي وحده لإنقاذ السودان. فالمطلوب هو مراجعة جذرية لفكرة الدولة نفسها: دولة تقوم على المواطنة المتساوية، وتوزيع عادل للسلطة والثروة، واحترام التنوع، وبناء مؤسسات محايدة لا تُختطف لصالح فئة أو جهة. دون ذلك، ستظل الحروب تتكرر، لأن الدولة التي لم نتفق عليها ستبقى دائمًا قابلة للانهيار.




