رأي

الاستقلال المؤجَّل: كيف وُلدت الدولة قبل أن تكتمل

ايمان التجاني

 

إيمان التجاني 

لم يكن خروج السودان من عباءة الحكم الأجنبي مجرّد انتقال إداري للسلطة، بل كان لحظة كثيفة بالآمال والالتزامات. في تلك اللحظة، بدا أن البلاد على أعتاب تجربة دولة وطنية تحمل وعود التحرر والعدالة والتنمية. غير أن ما غاب عن هذا المشهد المبكّر هو أن الدولة لا تُولد ببيان سيادي أو رمز وطني، بل تُبنى بتوافق عميق حول شكلها، ووظيفتها، وحدود سلطتها، وهو توافق لم يتحقق.

دخل السودان عهده الوطني محمّلًا بتناقضات لم تُحلّ، وتحولت سريعًا إلى أزمات مزمنة. فقد ظل الإطار الدستوري هشًا، يتأرجح بين رؤى متعارضة، دون أن يتبلور عقد اجتماعي يعكس واقع التعدد الثقافي والاجتماعي. لم يكن الخلاف حول النصوص وحدها، بل حول الفكرة نفسها: هل الدولة أداة سيطرة أم فضاء شراكة؟ هل تُدار بالتوازن أم بالغلبة؟ هذه الأسئلة ظلت معلّقة، ودفعت بالممارسة السياسية نحو الارتجال بدل البناء المؤسسي.

في موازاة ذلك، برزت اختلالات عميقة في توزيع السلطة والثروة، حيث تكرّس نمط مركزي أبقى أطراف البلاد في موقع التهميش. ومع غياب سياسات تنموية عادلة، تحولت الفوارق الجغرافية والاجتماعية إلى شروخ سياسية، غذّت الإحساس بالظلم، ووسّعت المسافة بين الدولة ومواطنيها. وبدل معالجة هذه الاختلالات ضمن مشروع وطني شامل، جرى التعامل معها بمنطق أمني أو تسووي مؤقت، ما زاد من تعقيدها.

أما المشهد السياسي، فقد اتسم بتنافس لا يقوم على البرامج بقدر ما يستند إلى الولاءات التقليدية أو الشعارات الأيديولوجية. فالتداخل بين الدين والسياسة، من جهة، والصراعات الفكرية الحادة، من جهة أخرى، حوّل المجال العام إلى ساحة استقطاب دائم. ومع كل تعثّر ديمقراطي، كان التدخل العسكري يُقدَّم كحل، لكنه في الواقع عمّق الأزمة، وأعاد إنتاجها في دورة لا تنتهي.

ولا يمكن فصل هذا المسار الداخلي عن محيطه الأوسع. فالسودان، بما يملكه من موقع وموارد، ظل موضع اهتمام قوى خارجية تنظر إلى استقراره من زاوية مصالحها الخاصة. في هذا السياق، لم يُتح دائمًا للبلاد أن تختبر خياراتها بحرية كاملة، إذ تداخلت الضغوط الاقتصادية والسياسية مع الصراعات الداخلية، وأُعيد توجيه مسار الدولة بما يخدم توازنات خارجية أكثر مما يخدم تطلعات شعبها.

إن جوهر الأزمة السودانية لا يكمن في لحظة بعينها، بل في تراكم طويل من الفرص الضائعة. فالدولة التي وُلدت دون اتفاق واضح حول معناها، ظلت تبحث عن نفسها في صراعات متلاحقة. وما لم يُعاد طرح سؤال الدولة بجرأة ومسؤولية، بوصفه شأنًا جماعيًا لا صفقة نخب، سيظل الاستقلال حدثًا مؤجلًا، لا يكتمل إلا ببناء دولة يشعر مواطنوها أنها تعبّر عنهم جميعًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!