رأي

الدعاية السوداء: كيف تصنع جماعة الإخوان حربًا موازية في الوعي

عبد الرحمن ابو رندة

 

عبد الرحمن ابو رندة 

ليست المأساة السودانية الراهنة نتاج صراع عسكري فقط، بل نتيجة حرب أعمق وأخطر تُدار في العقول قبل الميدان. فإلى جانب البنادق والمدافع، تنشط ماكينة تضليل منهجية، تُغذّيها جماعة الإخوان المسلمين، وتستثمر فيها خبرتها الطويلة في التحكم بالسرديات، وتزييف الوقائع، وتحويل الأكاذيب إلى “حقائق” قابلة للتداول. هذه الحرب الموازية لا تقل تدميرًا عن الرصاص، لأنها تُعيد تعريف العدو والصديق، وتُشرعن العنف، وتُطيل أمد الخراب باسم الوطنية.

على مدى سنوات، راكمت الجماعة أدوات دعائية متقدمة، وظّفتها اليوم بكثافة غير مسبوقة. لم تعد الدعاية مجرد منشورات عاطفية أو خطب تحريضية، بل منظومة متكاملة تخطط وتنفّذ وتراجع الأثر، هدفها إعادة تشكيل الوعي العام بما يخدم بقاء التنظيم وتأبيد الصراع.

الدعاية كمنهج لا كاستجابة عشوائية

ما يميّز التضليل الإخواني أنه ليس رد فعل لحظيًّا على الأحداث، بل سياسة ثابتة. تُدار الرسائل وفق أهداف محددة: شيطنة الخصوم، تبرئة الحلفاء، وتقديم الحرب بوصفها قدرًا لا مفرّ منه. تُستثمر اللغة الدينية حينًا، والمفردات السيادية حينًا آخر، لتغليف رسائل سياسية صِرفة بقوالب أخلاقية زائفة.

تُعاد صياغة الوقائع بانتقائية: يُضخَّم ما يخدم السردية، ويُحجب ما يناقضها، ويُعاد تدوير الأكاذيب حتى تبدو بديهية. هكذا يتحول التضليل إلى “منهج عمل”، لا يُسائل نفسه، ولا يعترف بالخطأ، لأنه ببساطة لا يرى في الحقيقة قيمة إلا بقدر ما تخدم الهدف.

شبكات الظل: الإعلام بوصفه ساحة عمليات

لم تعد المنصات الإعلامية مجرد قنوات نقل، بل ساحات عمليات ناعمة تُدار بعقل أمني. تتبدّل الأسماء والواجهات، لكن المحتوى واحد: دعاية سوداء مُمنهجة. تُنشأ حسابات وشبكات تتقمّص صفة “الصحافة المستقلة” أو “المنابر الدعوية”، بينما تعمل في الواقع ضمن شبكة واحدة، تتبادل الرسائل وتنسّق التوقيت وتوزّع الأدوار.

هذه الشبكات تُراهن على الإنهاك المعرفي للجمهور؛ إغراق الفضاء بالمعلومات المتناقضة، حتى يفقد المتلقي القدرة على التمييز. ومع الوقت، لا يعود السؤال: “ما الحقيقة؟” بل “أي رواية أصدّق؟” وهنا تكمن الخطورة: حين تتساوى الحقيقة والكذبة في نظر الناس، تنتصر الدعاية.

إعادة تعريف الوطنية وتكريس التخوين

أخطر ما تمارسه الدعاية الإخوانية هو اختطاف مفهوم الوطنية. تُعرّف الجماعة الوطن بما يطابق مصلحتها، وتُجرِّم أي موقف ناقد بوصفه خيانة. النقد يصبح “طعنًا في السيادة”، والمطالبة بالسلام تُقدَّم كضعف، والدعوة للمساءلة تُوسَم بالعمالة.

بهذا المنطق، تُصنع قوائم أعداء وهميين، ويُفتح المجال للتشهير المعنوي، وتصفية الحسابات الرمزية. لا مكان للحياد أو الاختلاف؛ إمّا الاصطفاف الكامل أو الإدانة. والنتيجة بيئة عامة مشحونة بالكراهية، تُغلق أبواب الحوار، وتدفع المجتمع نحو مزيد من الاستقطاب.

لماذا يخاف التضليل من السلام؟

لأن السلام يفضح الأكاذيب. فالحرب، بطبيعتها، تخلق فوضى معلوماتية تُغذّي الدعاية، بينما السلام يفرض الأسئلة: من استفاد؟ من موّل؟ من كذب؟ لهذا، تعمل ماكينة التضليل على إدامة التوتر، ولو بخطاب يُنادي ظاهريًا بوقف القتال، لكنه عمليًا يزرع الشكوك، ويُقوِّض أي مسار يُنهي الصراع.

إن استمرار هذه الدعاية يعني استمرار استنزاف موارد البلاد، ماديًا ومعنويًا. فالأموال التي تُنفق على التضليل تُقتطع من حق الناس في الإغاثة والتعليم والصحة، وتُحوَّل إلى وقود لحرب الوعي. هكذا يُقتل الأمل مرتين: مرة بالرصاص، ومرة بالكذبة.

ما يجري في السودان ليس “معركة روايات” عابرة، بل اختبار لقدرة المجتمع على حماية وعيه. تفكيك الدعاية السوداء واجب وطني لا يقل أهمية عن إيقاف النار. يبدأ ذلك بتسمية الأشياء بأسمائها، وفضح الشبكات، وبناء إعلام مهني مستقل، واستعادة قيمة الحقيقة بوصفها أساسًا لأي سلام ممكن. فمن لا ينتصر في معركة الوعي، لن ينتصر في معركة الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!