رأي

من “الشرعية الثورية” إلى “الشرعية المؤسسية” (3) ​نحو تأسيس الحكم الراشد في السودان الجديد فخ “أولادنا”..  كيف ندفن “دولة الولاءات” لنبني “دولة الكفاءات”؟

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

​مجدي محمد مصطفى ماكن

​مقدمة:

في لحظات التغيير الكبرى، تواجه الثورات دائماً سؤالاً قاتلاً: لمن نعطي المناصب؟

هل نعطيها لـ “الأوفياء” الذين حملوا السلاح وقاتلوا؟ أم نعطيها لـ “الأكفاء” الذين يملكون العلم والخبرة حتى لو كانوا بعيدين عن الخندق؟

دولة 56 سقطت لأنها أجابت خطأً على هذا السؤال؛ اعتمدت مبدأ “الولاء قبل الأداء”، فوضعت “الكوز” و”ابن القبيلة” و”الموالي” في مناصب لا يفقهون فيها شيئاً، فانهارت الخدمة المدنية وتدمرت البلاد.

اليوم، يواجه “تحالف تأسيس” نفس الامتحان. إذا قمنا بتعيين والٍ أو وزير أو مدير عام فقط لأنه “قائد شجاع” أو “ابن عم قائد بطل” أو “مرشح القبيلة”، دون النظر لكفاءته الإدارية، فنحن نعيد إنتاج الفشل.

البندقية تحرر الأرض، لكن “العقل” هو الذي يبني الدولة.

الخلط بينهما كارثة.

​أولاً: وهم “غنيمة المناصب”

يجب أن نرسخ مفهوماً جديداً وجريئاً في أدبيات التحالف: المناصب تكليف وليست تشريفاً أو مكافأة نهاية خدمة للمناضلين.

أن تكون “أسداً” في المعركة، لا يعني بالضرورة أنك تصلح لإدارة “مستشفى” أو “وزارة مالية”. الإدارة علم، والقتال علم آخر.

عندما نضع شخصاً غير مؤهل في منصب إداري حساس كمكافأة له، نحن نعاقب آلاف المواطنين الذين سيفشلون في الحصول على الخدمة بسببه.

هذا “فساد” مغلف بغطاء ثوري.

الحل: تكريم المناضلين يكون بالأوسمة، بالترقيات العسكرية، بالرعاية الاجتماعية، وليس بتسليمهم رقاب المواطنين وموارد الدولة ليعبثوا بها.

​ثانياً: فصل “القبيلة” عن “الإدارة”

أخطر ما يهدد المناطق المحررة هو ان تتحول “الإدارات المدنية” إلى “حواكير قبلية”.

أن تأتي قبيلة لتقول: “نحن حررنا هذه المنطقة، لذا الوالي يجب أن يكون منا، ومدير الشرطة منا”، فهذه هي بداية “الصوملة” والتفكك.

القبيلة مكون اجتماعي محترم، دورها “المصالحة والسلم الأهلي”. أما “الدولة” فهي جهاز فني محايد.

نعم يجب مراعاة التنوع ، لكن إذا عينا مديراً لأنه “ابن القبيلة”، فلن نستطيع محاسبته إذا سرق أو فشل، لأن محاسبته ستتحول إلى “أزمة قبلية”.

الحل: التعيين يجب أن يكون عابراً للقبائل. المدير الناجح من الشرق يمكن أن يدير الغرب، والعكس. هذا هو معنى “السودان الجديد”؛ الكفاءة هي هويتك الوحيدة.

​ثالثاً: الثغرة التي يدخل منها “الكيزان”

لماذا يصر الكيزان وأعوانهم على ترشيح أشخاص “ضعفاء” للمناصب؟

لأن المسؤول الضعيف إدارياً يحتاج دائماً لـ “مساعدين” يديرون له العمل. هنا يأتي “الكوز الخبير” ليعمل سكرتيراً أو مستشاراً للمسؤول الضعيف، فيصبح هو “الحاكم الفعلي” (Deep State) بينما المسؤول الثوري مجرد “واجهة” (ديكور).

بناء دولة الكفاءات هو خط الدفاع الأول ضد الكيزان.

المسؤول القوي المتعلم لا يحتاج لمن يملي عليه القرارات، ويعرف كيف يكتشف الفساد ويغلق أبوابه.

​رابعاً: هندسة التعيين.. “مفوضية الخدمة المدنية”

كيف نختار؟ لا يجب أن يترك الأمر للمزاج أو الوساطات.

نقترح تأسيس “المفوضية العليا للخدمة المدنية والإصلاح الإداري”.

​مهامها: وضع “توصيف وظيفي” دقيق لكل منصب (ما هي الشهادات والخبرات المطلوبة؟).

​آليتها: الإعلان عن الوظائف القيادية بشفافية، واستقبال السير الذاتية، وإجراء معاينات مهنية. و ادارة التدريب.

​بنك العقول: الاستفادة من “تكنوقراط السودان” في الشتات والداخل، الذين هجرتهم دولة الكيزان. هؤلاء هم “النفط البشري” الذي نملكه، ويجب استدعاؤهم فوراً لتعمير ما دمرته الحرب.

​ختاماً: الدولة ليست “دار ضيافة”

إن المواطن السوداني الذي صبر على الجوع والقصف، ينتظر من التحالف نموذجاً مختلفاً.

إذا ذهب إلى مكتب حكومي ووجد نفس “الواسطة”، ونفس “المحسوبية”، ونفس “الوجوه غير المؤهلة” التي كانت في عهد البشير، سيكفر بالمشروع كله.

العدالة تبدأ بـ “تكافؤ الفرص”.

فلنجعل شعار المرحلة: “المكان للأجدر، وليس للأقرب”.

​في المقال القادم:

سنناقش “سيادة القانون”. كيف نضمن استقلالية القضاء والنيابة؟ وكيف نمنع “الهاتف” و “المذكرات الشخصية ” من التدخل في الأحكام؟ وكيف نحمي القاضي من بندقية العسكري؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!