رأي

الدولة التي لم تولد بعد

براءة حامد

 

براءة حامد 

لم تكن معاناة السودانيين نتاج حدث عابر أو أزمة طارئة، بل نتيجة مسار طويل من الإقصاء وسوء إدارة الدولة، حيث أُقيمت السلطة على مركز ضيق، واحتُكرت باسم فئة محددة، بينما تُركت غالبية الشعوب خارج معادلة الحكم والثروة والاعتراف.

لقد فشلت الدولة السودانية في الإجابة عن سؤالها الجوهري: كيف نحكم بلدًا متعدد الثقافات والأديان والأعراق بعقلٍ عادل وشامل؟ وبدلًا من بناء دولة مواطنة، جرى فرض هوية واحدة، وثقافة واحدة، ورؤية أحادية للانتماء، ما أنتج شعورًا واسعًا بالظلم والتهميش، فتح الباب أمام المقاومة، والتمرد، والاحتجاج المستمر.

في الجنوب، وفي الجبال، وفي الشرق، وفي دارفور، لم تكن مطالب الناس يومًا ترفًا سياسيًا، بل حقوقًا أساسية: المساواة، والكرامة، والمشاركة العادلة، والاعتراف بالتنوع. غير أن المركز واجه هذه المطالب بالقمع، والتخوين، والتوصيف العنصري، بدل الحوار والمعالجة الجذرية. فصار العنف لغة الدولة، وصار السلاح ردًّا على الإقصاء.

ومع تراكم الأزمات، تحوّلت الدولة إلى أداة في يد نخبة لا ترى الوطن إلا من زاوية امتيازاتها، ولا تتعامل مع الأطراف إلا كهوامش يجب ضبطها، لا شركاء يجب احترامهم. وهكذا تشكلت فجوة عميقة بين الدولة ومواطنيها، انتهت إلى حروب مدمرة، ونزوح واسع، وتمزق اجتماعي لا تزال آثاره قائمة.

وحين أتيحت فرصة التغيير، عبر حراك شعبي واسع رفع شعار الحرية والسلام والعدالة، اصطدمت الآمال بجدار المصالح القديمة، فعادت الدولة إلى مربع الهيمنة العسكرية، وتحالف السلاح مع الأيديولوجيا، وانسدت طرق الانتقال المدني، لتنهار البلاد مجددًا في صراع شامل دفع ثمنه المدنيون أولًا وأخيرًا.

إن جوهر الأزمة لا يكمن في تنوع السودان، بل في الخوف منه. ولا يكمن في مطالبة الشعوب بحقوقها، بل في رفض الاعتراف بتلك الحقوق. فالدولة التي تُبنى على الإقصاء لا يمكن أن تستقر، والدولة التي لا تحترم مواطنيها لا يمكن أن تبقى.

وحده مشروع وطني جديد، يقوم على المواطنة المتساوية، والمدنية، والعدالة، والفيدرالية الحقيقية، قادر على إنقاذ السودان من تكرار المأساة. فإما دولة لكل السودانيين، أو لا دولة على الإطلاق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!