رأي

دماء الأشاوس ومسؤولية السياسة: أسماء لا يجب أن تُنسى

محمد تاج الدين الحلو

 

محمد تاج الدين الحلو 

قدّمت تضحيات كبيرة خلال حرب الخامس عشر من أبريل، تضحيات دفع ثمنها رجال واجهوا الموت بثبات، وهم يؤمنون أن ما يقومون به مرتبط بقضية تغيير وبناء مستقبل مختلف للسودان. لم تكن تلك التضحيات أرقامًا عابرة في تقارير أو عناوين، بل كانت أسماء وقصص رجال سقطوا وهم في مواقعهم، تاركين وراءهم مسؤولية أخلاقية وسياسية لا يجوز تجاهلها أو القفز فوقها.

من بين هؤلاء الشهداء قادة ميدانيون عُرفوا بالحضور والتأثير، مثل المقدم عبد الرحمن البيشي، أحد أبرز القادة المؤثرين، واللواء علي يعقوب الذي ارتبط اسمه بمواقع شديدة التعقيد، واللواء عيسى الضيف، والجنرال جلحة رحمة، وموسى رحمة، واللواء عبد الله حسين آدم، والعميد الطاهر جاه الله، والقائد الميداني سليم الرشيدي، ومحمد عبد الله جبلين، وإبراهيم فناوي، وعبد الرحمن قرن شطة، والعقيد حسين الذي عُرف كأول الشهداء في المدينة الرياضية، والمقدم عبد المنعم شيريا في شمال كردفان، والقائد الميداني موسى قارح، والعميد مضوي، وماكن، إضافة إلى أسماء أخرى كثيرة قد لا تسعف الذاكرة أو دفاتر التوثيق في حصرها، لكنها باقية في وجدان الناس وذاكرتهم الجماعية.

إن ذكر هذه الأسماء ليس للتعداد أو المباهاة، بل للتأكيد على أن ما جرى كان مكلفًا، وأن دماء الأشاوس لا يجوز أن تتحول إلى مجرد مادة للخطاب السياسي أو وسيلة للاستهلاك العاطفي. فالتضحيات، مهما عظمت، لا تكفي وحدها لصناعة المستقبل إذا لم تجد مسارًا سياسيًا واضحًا وجادًا يوازيها، ويحفظ معناها، ويحوّلها إلى مكاسب حقيقية على طريق الدولة والعدالة.

لقد تابع الناس نماذج لافتة في الصبر والشجاعة والانضباط، وبرزت مواقف جسدت الاستعداد الحقيقي للفداء. وشاهدنا كذلك نماذج ميدانية عكست معنى القيادة في أوقات الشدة، كما ظهر في مواقف السيد عبد الرحيم دقلو، قائد ثاني قوات الدعم السريع، الذي قدّم نماذج مدهشة في التضحية والجسارة والحضور وسط المقاتلين، مؤكدًا أن القيادة ليست موقعًا إداريًا، بل التزامًا بالمشاركة وتحمل المخاطر.

لكن، ورغم كل ذلك، يظل الميدان وحده غير كافٍ لبناء دولة أو تأسيس نظام مستقر. فهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى خلق تحرك سياسي حقيقي يوازي هذه التضحيات، تحرك لا يكتفي بالبيانات أو الخطابات، بل ينزل إلى الأرض، ويتقدم الصفوف، ويتفاعل مباشرة مع الجماهير والأشاوس في مواقعهم.

إن مسؤولية حكومة التأسيس اليوم أن تلتحم مع الناس التحامًا فعليًا، وأن تكون حاضرة في دارفور وكردفان، تسمع وتشرح وتتحمل نصيبها من المخاطر، حتى يدرك الجميع أن الدم الذي سُفك لم يكن معزولًا عن مشروع سياسي واضح المعالم. حينها فقط، ومع توازي العمل المدني مع حجم الفداء، يمكن أن تتحول دماء الشهداء إلى أساس لوطن يسع الجميع، ويصون كرامة من ضحّوا من أجله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!