
مها طبيق
يدخل علينا عام 2026 والسودان عند مفترق طرق لا يحتمل مزيدًا من المناورات الخطابية ولا إعادة تدوير الفشل السياسي بصيغ جديدة . ما يواجهه البلد اليوم هو حصيلة انهيار طويل لنماذج حكم فاشلة وظالمة ، تشظى فيها مفهوم الدولة ، وتحول الصراع من خلاف سياسي إلى اقتصاد حرب مكتمل البنية ، تآكل بفعله الوطن وأنهك بممارسته الانسان .
خلال الأعوام الماضية ، خسر السودانيون الموارد والحدود وخسروا الثقة في النخب ، وفي وعودهم الكاذبة بالانتقال ، وفي خطاب الإصلاح الذي أخفق في ملامسة جذور الأزمة ورسم طريق واضح للمستقبل . لذلك ، ينبغي النظر إلى 2026 كعام اختبار للقدرة على إعادة التأسيس ببناء الثقة بالحقيقة وحدها .
الدولة التي تُدار بردود الأفعال وبوهم الازمات تفقد سيادتها تدريجيًا لصالح شبكات المصالح ، والفاعلين المسلحين ، والوسطاء الإقليميين . المطلوب في 2026 هو الانتقال من منطق إطفاء الحرائق ” إلى منطق البناء المؤسسي حيث يكون الأساس هو التخطيط الاستراتيجي وفق أولويات محددة وواضحة ، ومؤشرات أداء قابلة للقياس .
لا سلام ولا انتقال سياسي دون مواجهة الحقيقة الجوهرية وهي تفكيك اقتصاد الحرب وشبكة المصالح ذلك لأن الحرب تحوّلت إلى نشاط اقتصادي مربح لفئات بعينها . فاستمرار هذا النموذج يعني استمرار النزاع حتى لو تغيّرت الواجهات . لذلك يجب أن يكون عام 2026 نقطة الانطلاق لتحويل الموارد من العنف إلى الإنتاج ، ومن السلاح إلى الخدمات ، عبر سياسات شفافة تعيد تعريف المصلحة الوطنية .
أثبتت التجربة أن الشرعية المفروضة بالقوة أو المستندة إلى دعم خارجي شرعية قصيرة العمر . الشرعية المستدامة تُبنى من الداخل ، عبر عقد اجتماعي جديد يجيب بوضوح عن أسئلة الحكم الأساسية وهي من يحكم ؟ كيف يُحكم ؟ ولمصلحة من ؟ أي مسار يتجاوز هذه الأسئلة سيعيد إنتاج الأزمة بصيغة أشد عنفًا .
أخطر ما خسره السودان هو استنزاف رأس ماله البشري . النزوح الجماعي ، الهجرة ، وانهيار التعليم والصحة والنزوح هي مؤشرات تهديد مباشر لبقاء الدولة . لذلك ينبغي الاستثمار في الإنسان خصوصًا النساء والشباب لأن الإنسان هو الأصل الاستراتيجي وشرط البقاء الاقتصادي والسياسي .
المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى شعارات كبرى ، ولكن تحتاج إلى قرارات صعبة تتمثل في محاسبة حقيقية ، وتفكيك مراكز النفوذ ، وبناء مؤسسات تُدار بالقواعد . كل تأجيل إضافي يرفع كلفة المعالجات ويقلّص هامش الخيارات .
يجب أن نجعل من عام 2026 نقطة انطلاق لتأسيس دولة سودانية قابلة للحياة ، وإلا سيكون عام تثبيت الانهيار كأمر واقع . التاريخ لا يكافئ المترددين ، والدول تُبنى بإرادة سياسية واضحة ، وعمل جماعي منضبط ، ورؤية شجاعة لا تخشى مواجهة الحقيقة .
مها الهادي طبيق
1 يناير 2026
mahatebig@gmail.com




