
عماد جدو
أثار التقرير الأخير الصادر عن منظمة أطباء بلا حدود بشأن وجود حالات اغتصاب في مناطق سيطرة حكومة تأسيس. جدلاً واسعاً، بين من اعتبره توثيقاً إنسانياً مهماً، ومن شكك في دقته ومهنيته. وفي ظل حساسية الاتهامات وخطورتها، يصبح من الضروري إخضاع هذا التقرير لقراءة فنية دقيقة، تستند إلى معايير البحث الميداني والتوثيق الحقوقي .
إشكالية المنهجية ومصادر المعلومات
من الناحية الفنية، تعتمد التقارير الحقوقية الرصينة على منهجية واضحة تشمل: تحديد حجم العينة، وتنوع مصادر الشهادات، وآليات التحقق المستقل. غير أن التقارير الصادرة عن المنظمات الإنسانية العاملة في بيئات نزاع ومنها منظمة أطباء بلا حدود غالباً ما تواجه قيوداً ميدانية تحد من قدرتها على الوصول الشامل.
في هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري:
هل اعتمد التقرير على حالات موثقة عبر تحقيقات ميدانية متعددة، أم على روايات فردية لضحايا وصلوا إلى مراكز طبية؟
إذ إن الاعتماد على الحالات التي تصل للمرافق الصحية فقط، لا يعكس بالضرورة الصورة الكاملة، بل يمثل عينة انتقائية قد تؤدي إلى تعميمات غير دقيقة.
ان
المعيار الدولي في توثيق الانتهاكات الجسيمة، خاصة الجرائم الجنسية، يقتضي وجود تقاطع بين عدة مصادر:
شهادات الضحايا
تقارير طبية شرعية
شهود عيان
أدلة سياقية (زمان ومكان الحادثة)
في كثير من الأحيان، لا توضح التقارير الإنسانية . لأسباب تتعلق بحماية الضحايا مدى هذا التقاطع. لكن غياب الإشارة الواضحة لآليات التحقق قد يضعف من قوة الاستنتاجات، خاصة عندما تُستخدم لغة تقريرية توحي بالتعميم.
من المهم التمييز بين دور منظمة أطباء بلا حدود كجهة طبية إنسانية، ودور الجهات القانونية أو الحقوقية المختصة بالتحقيق الجنائي.
فالمنظمة توثق آثار العنف (مثل الإصابات أو الصدمات النفسية)، لكنها لا تملك بالضرورة أدوات التحقيق الجنائي التي تثبت هوية الجناة أو الجهة المسؤولة بشكل قاطع.
وبالتالي، فإن أي ربط مباشر بين الحالات الموثقة و”جهة سياسية أو عسكرية محددة” يحتاج إلى أدلة إضافية تتجاوز الإطار الطبي.
التحليل الفني للتقارير يولي أهمية كبيرة للغة المستخدمة:
هل التقرير يستخدم تعبيرات حذرة مثل “أفاد الناجون” و”يُشتبه”؟
أم يستخدم لغة جازمة مثل “حدث” و”تم ارتكابه”؟
اللغة الجازمة في غياب أدلة متعددة قد تشير إلى تجاوز مهني، بينما اللغة الحذرة تعكس التزاماً بالمعايير العلمية.
لا يمكن فصل أي تقرير يصدر في بيئة نزاع عن السياق السياسي والإعلامي المحيط به. فالتقارير الإنسانية، حتى وإن كانت محايدة في أصلها، قد يتم توظيفها سياسياً من قبل أطراف النزاع.
وهنا تكمن خطورة القراءة الانتقائية
إذ قد يتم تضخيم النتائج أو توجيهها لخدمة رواية معينة، دون الالتفات إلى القيود المنهجية التي أُنتج في ظلها التقرير.
من منظور فني بحت، يمكن القول إن تقارير منظمة أطباء بلا حدود تظل ذات قيمة إنسانية عالية في تسليط الضوء على معاناة الضحايا، لكنها:
ليست بديلاً عن التحقيقات الجنائية المستقلة
قد تعاني من محدودية في العينة والوصول
تحتاج إلى قراءة نقدية تأخذ في الاعتبار منهجيتها وظروف إعدادها
وعليه، فإن التعامل مع مثل هذه التقارير يجب أن يكون بحذر علمي
لا رفضاً مطلقاً يفقد الضحايا صوتهم، ولا قبولاً مطلقاً يمنحها صفة الإثبات النهائي.
يبقى التحدي الحقيقي ليس في نفي أو إثبات تقرير بعينه، بل في بناء آليات تحقيق مستقلة وشفافة، قادرة على الوصول إلى الحقيقة الكاملة، بعيداً عن الاستقطاب السياسي، وبما يضمن العدالة للضحايا دون توظيف مأساتهم في صراعات السرديات.




