رأي

من إشعال الحرب إلى صفقة أسمرا.. تفكيك الخطة البديلة لتثبيت البرهان وتعميق الانقسام

سليمان عبد المجيد ود الشيخ

 

سليمان عبد المجيد ود الشيخ

تأتي التحركات السياسية الأخيرة، بدءاً من الوثيقة الرسمية المسربة المنسوبة إلى مكتب البرهان بتاريخ السادس عشر من يونيو، وصولاً إلى اللقاءات المغلقة التي احتضنتها العاصمة الإريترية أسمرا مع قيادات بارزة في النظام السابق، يتقدمهم صلاح قوش، لتكشف عن ملامح مرحلة جديدة يجري إعدادها بعيداً عن أنظار السودانيين. وتتمثل أبرز سمات هذه المرحلة في محاولة إعادة إنتاج السلطة بواجهة سياسية مختلفة، بينما تظل مراكز القرار الحقيقية في يد المؤسسة العسكرية وحلفائها من بقايا النظام السابق.

إن الإصرار على المضي في هذا المسار، في ظل واقع سياسي غير مسبوق يتسم بوجود سلطتين وحكومتين ومشروعين متعارضين لمستقبل البلاد، يؤكد أن الأولوية ليست إنهاء الحرب أو معالجة جذور الأزمة الوطنية، وإنما تثبيت البرهان على رأس سلطة انتقالية تمتد لسنوات، مع إعادة هندسة المشهد السياسي بما يضمن استمرار نفوذ الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة تحت مسميات جديدة وآليات مختلفة.

ولا يمكن فصل الدعوة إلى حوار داخلي محدود عن هذا السياق، إذ تبدو وكأنها محاولة لصناعة شرعية سياسية بديلة، عبر عملية تُختار أطرافها مسبقاً، بينما تُستبعد منها القوى المدنية والقوى السياسية والعسكرية التي تطرح مشروعاً مختلفاً لإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة. وبهذا يتحول الحوار من وسيلة لحل الأزمة إلى أداة لإعادة توزيع الشرعية داخل المعسكر نفسه، مع الالتفاف على المبادرات الإقليمية والدولية التي تنادي بحل شامل يضم جميع الأطراف.

ولا تتوقف الخطة عند إعادة تشكيل السلطة المركزية، بل تمتد إلى إعادة رسم الخريطة السياسية والعسكرية برمتها، من خلال استثمار الخلافات الداخلية، وتعميق الانقسامات بين الحركات المسلحة والقوى المدنية، وإضعاف أي تحالف يمكن أن يشكل بديلاً سياسياً حقيقياً. فكلما تفرقت القوى المطالبة بالتغيير، أصبح الطريق أكثر سهولة أمام إعادة إنتاج المنظومة القديمة بثوب جديد.

كما أن اختيار أسمرا لاستضافة هذه اللقاءات لا يبدو مجرد تفصيل بروتوكولي، بل يحمل دلالات سياسية تعكس وجود ترتيبات إقليمية تسعى إلى توفير غطاء لهذا المشروع، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية المطالبة بتسوية سياسية عادلة تنهي الحرب وتؤسس لمرحلة انتقالية متوافق عليها.

إن التجارب السودانية المتعاقبة أثبتت أن الأزمات لا تُحل بإعادة تدوير النخب نفسها أو بتغيير اللافتات السياسية، وإنما بمعالجة الأسباب الحقيقية للصراع، وفي مقدمتها أزمة الحكم، واختلال توزيع السلطة والثروة، وغياب العدالة، واستمرار احتكار القرار الوطني. وأي محاولة للقفز فوق هذه الحقائق لن تؤدي إلا إلى إنتاج دورة جديدة من الصراع، مهما بدت التسويات مؤقتاً ناجحة.

ولهذا فإن مستقبل السودان لن تحدده الاجتماعات السرية ولا الاتفاقات المغلقة، بل ستحدده قدرة السودانيين على بناء مشروع وطني جامع يقطع مع سياسات الإقصاء والاحتكار، ويؤسس لدولة تقوم على الشراكة والعدالة والمواطنة المتساوية. أما الرهان على إعادة إنتاج السلطة بالوسائل نفسها التي قادت إلى الحرب، فلن يحقق سوى إطالة أمد الأزمة، وتعميق الانقسام، وإهدار فرصة جديدة للسلام والاستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!