
تقرير صحيفة التنوير
سياق الهجمات الجوية وتصاعد استهداف المدنيين
شهدت ولاية شمال دارفور خلال الأيام الماضية تصعيدًا خطيرًا تمثل في هجمات جوية استهدفت بشكل مباشر منطقتي الزُرُق وغرِّير، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى دمار واسع طال البنية التحتية المدنية.
هذه الهجمات لم تأتِ في سياق مواجهات عسكرية تقليدية، بل وُجهت ضد مناطق مأهولة بالسكان، تُعد في الأصل ملاذًا آمنًا للنازحين والفارين من ويلات الحرب الدائرة في مناطق أخرى من السودان.
مصادر محلية وشهادات ميدانية أكدت أن الطيران الحربي نفذ غارات مكثفة على التجمعات السكنية والأسواق، في تكرار لنهج بات مألوفًا في النزاع السوداني، حيث أصبحت القوة الجوية أداة لمعاقبة المدنيين بدلًا من حمايتهم. ويكشف هذا التصعيد عن تحوّل خطير في طبيعة الصراع، من صراع بين أطراف مسلحة إلى حرب مفتوحة ضد السكان العُزّل.
حرق سوق غرِّير وتدمير المستشفى في الزُرُق
من أكثر المشاهد فداحة في هذه الأحداث، حرق سوق منطقة غرِّير بالكامل، وهو السوق الرئيسي الذي يعتمد عليه آلاف السكان لتأمين غذائهم وسبل عيشهم. تدمير السوق لم يكن فقط تدميرًا لمبانٍ، بل كان تدميرًا لشريان الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة، وترك آلاف الأسر بلا موارد في ظل أوضاع إنسانية متدهورة أصلًا.
في منطقة الزُرُق، بلغ الاستهداف حدًا غير مسبوق، حيث تعرض المستشفى المحلي لقصف مباشر أدى إلى تدميره بالكامل، مع مقتل مرضى وكوادر طبية أثناء تأدية واجبهم الإنساني. هذا الفعل يمثل انتهاكًا صارخًا لكل الأعراف والقوانين الدولية التي تُجرّم استهداف المنشآت الطبية، وتعتبرها مناطق محمية لا يجوز المساس بها تحت أي ظرف.
إن استهداف الأسواق والمستشفيات يعكس نمطًا واضحًا: إضعاف المجتمعات المحلية عبر تدمير مقومات بقائها، ودفع السكان نحو النزوح القسري، في سياسة تحمل ملامح العقاب الجماعي.
توصيف قانوني – جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية
وفقًا للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف، فإن استهداف المدنيين والمرافق المدنية، بما في ذلك الأسواق والمستشفيات، يُعد جريمة حرب مكتملة الأركان. كما أن تكرار هذه الهجمات، واتساع نطاقها، وطابعها المنهجي، يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
استخدام الطيران الحربي في قصف مناطق مدنية دون تمييز، وفي غياب أهداف عسكرية مشروعة، يُظهر استخفافًا مطلقًا بمبدأي التمييز والتناسب، وهما من الركائز الأساسية للقانون الإنساني الدولي.
ولا يمكن لأي خطاب أمني أو عسكري أن يبرر قتل المدنيين أو تدمير سبل حياتهم، خاصة عندما تكون الضحايا من النساء والأطفال والمرضى.
المسؤولية القانونية لا تتوقف عند منفذي القصف، بل تمتد إلى كل من أصدر الأوامر، وخطط، وغطّى سياسيًا وإعلاميًا لهذه العمليات، وفق مبدأ المسؤولية القيادية المعتمد في القانون الدولي.
إدانات القوى المدنية والسياسية والهيئات الشعبية
في أعقاب هذه الهجمات، صدرت إدانات شديدة من قوى مدنية وسياسية وهيئات شعبية داخل السودان وخارجه، اعتبرت ما جرى هجومًا إرهابيًا منظمًا يستهدف المدنيين ويُقوّض أي أمل في السلام.
وأكدت هذه القوى أن ما يحدث في دارفور ليس أحداثًا معزولة، بل جزء من سياسة ممنهجة تعتمد على القتل الجماعي والتدمير كوسيلة لفرض السيطرة وإخضاع المجتمعات المحلية.
كما شددت على أن استمرار القصف الجوي يعكس غياب الإرادة السياسية لوقف الحرب، واستخدام العنف كخيار أول وأخير.
الهيئات الشعبية من جانبها حذّرت من أن هذه المجازر تُنذر بكارثة إنسانية أكبر، خاصة في ظل تراجع الخدمات الصحية، وانعدام الأمن الغذائي، وتصاعد موجات النزوح، مطالبة بحماية عاجلة للمدنيين ووقف فوري لاستخدام الطيران ضد السكان.
الصمت الدولي… من الحياد إلى التواطؤ
أحد أخطر أبعاد هذه المأساة يتمثل في الصمت الدولي المطبق. فحتى الآن، لم تصدر مواقف أو إجراءات بحجم الجرائم المرتكبة، سواء من مجلس حقوق الإنسان أو من المنظمات الدولية المعنية بحماية المدنيين.
هذا الصمت لم يعد يُفسر كعجز أو بطء بيروقراطي، بل بات يُنظر إليه على نطاق واسع كـتواطؤ غير مباشر، أو على الأقل ضوء أخضر للاستمرار في القتل دون خشية من المحاسبة.
إن الإفلات من العقاب، الذي تراكم عبر سنوات من النزاع في دارفور، شكّل بيئة مثالية لتكرار الجرائم وتوسيع نطاقها.
القوى المدنية اعتبرت أن البيانات الخجولة، إن وُجدت، لا تكفي، وأن المطلوب هو تحرك عملي يشمل آليات تحقيق دولية، وضغوط سياسية واقتصادية حقيقية على الأطراف المتورطة في استهداف المدنيين.
مطالب عاجلة – العدالة، الحماية، ووقف القصف
أمام هول ما جرى، تتصدر مجموعة من المطالب المشروعة المشهد العام، أبرزها:
فتح تحقيق دولي مستقل وعاجل في القصف الجوي على الزُرُق وغرِّير.
محاسبة جميع المسؤولين عن إصدار وتنفيذ أوامر القصف، دون استثناء.
فرض إجراءات رادعة تضمن حماية المدنيين، بما في ذلك حظر استخدام الطيران الحربي ضد المناطق المأهولة.
توفير حماية دولية فعالة للسكان في مناطق النزاع، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
إن دماء المدنيين في دارفور لن تسقط بالتقادم، ولن تُمحى بالبيانات أو التجاهل. العدالة ليست ترفًا سياسيًا، بل شرط أساسي لأي سلام مستقبلي. وكل تأخير في المحاسبة يعني مزيدًا من القتلى، ومزيدًا من الدمار، ومزيدًا من الانهيار الإنساني.
ما حدث في الزُرُق وغرِّير ليس مجرد خبر عابر، بل جرس إنذار جديد يذكّر العالم بأن دارفور ما زالت تنزف، وأن المدنيين ما زالوا يدفعون ثمن حرب لم يختاروها.
إن استمرار الصمت الدولي لن يؤدي إلا إلى تعميق المأساة، بينما يبقى الخيار الوحيد القابل للحياة هو التحرك العاجل، والمحاسبة الصارمة، وحماية المدنيين قبل أن تتحول دارفور إلى مساحة مفتوحة للموت بلا شهود




