جبل مرة يختنق بالوباء.. جدري القرود يزحف وسط العزلة والموت الصامت
التنوير تقرير عبد الرحمن أبورندة

التنوير تقرير عبد الرحمن ابو رندة
مئات الإصابات في مناطق معزولة وانهيار شبه كامل للخدمات الصحية وسط تحذيرات من كارثة إنسانية تهدد ملايين المدنيين في دارفور
تعيش مناطق واسعة بجبل مرة أوضاعاً صحية وإنسانية مقلقة مع استمرار تفشي وباء جدري القرود بصورة متسارعة، في ظل غياب شبه كامل للرعاية الصحية وانعدام الأدوية وضعف الاستجابة الدولية، الأمر الذي ينذر بتحول الأزمة إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق تهدد السكان في واحدة من أكثر مناطق السودان هشاشة وعزلة.

وبينما تتزايد أعداد الإصابات يوماً بعد آخر، تتصاعد المخاوف من فقدان السيطرة على الوباء، خاصة مع استمرار الحرب وتدهور البنية الصحية وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.
وباء يتمدد في خاصرة الجبل
وبحسب بيانات صادرة عن حركة/جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد أحمد النور، فإن الوباء وصل بالفعل إلى عدد من المناطق بجبل مرة، تشمل قولو، دربات، جاوا، سوني، يارا، ديرا، برتا، فلقا، فقوري، سورتنقا وأبونقا، وسط تحذيرات من اتساع دائرة الانتشار خلال الأيام المقبلة.
وقالت الحركة، في بيان صادر عن مؤسسة الرئاسة ومكتب رئيس السلطة المدنية بالأراضي المحررة، إن المناطق المتضررة تعيش ظروفاً إنسانية وصحية شديدة التعقيد، في وقت لا تزال فيه إمكانيات الاستجابة محدودة للغاية مقارنة بحجم الخطر المتصاعد.
وأكدت أن استمرار انتشار الوباء دون تدخل عاجل قد يقود إلى كارثة تهدد حياة ملايين المدنيين داخل المناطق المحررة، خاصة في ظل الانهيار الواسع للخدمات الصحية وغياب البنية الطبية اللازمة للتعامل مع الأوبئة.
347 إصابة.. والرقم مرشح للارتفاع
وأشارت الإحصائيات الأولية إلى تسجيل نحو 347 إصابة مؤكدة حتى الآن، بينما تحدثت منظمة أطباء بلا حدود الإسبانية عن أكثر من 200 إصابة في مناطق سوني وجاوا وديري وحدها، ما يعكس حجم الانتشار المتسارع للفيروس داخل المناطق الجبلية المعزولة.
ويقول مراقبون إن الأرقام المعلنة قد لا تعكس الحجم الحقيقي للكارثة، نظراً لضعف أنظمة الرصد الصحي وصعوبة الوصول إلى كثير من القرى والمناطق المتأثرة، الأمر الذي يثير مخاوف من وجود حالات غير موثقة لم تصل إلى الجهات الطبية المحدودة العاملة في المنطقة.
ويُعد جدري القرود من الأمراض الفيروسية النادرة التي تشبه في أعراضها مرض الجدري التقليدي، لكنه أقل فتكاً منه. وتبدأ أعراضه عادة بالحمى والصداع وآلام العضلات والإرهاق، قبل ظهور الطفح الجلدي والتقرحات التي تنتشر في أنحاء الجسم.
ورغم أن المرض ظل لعقود محصوراً في بعض دول إفريقيا الوسطى والغربية، إلا أن انتشاره العالمي منذ عام 2022 أثار مخاوف واسعة بشأن إمكانية تحوله إلى تهديد عابر للحدود، خاصة في البيئات التي تعاني من النزاعات وضعف الأنظمة الصحية.
مستشفيات مغلقة وقرى معزولة عن العلاج
وتواجه المناطق المتضررة نقصاً حاداً في الكوادر الطبية والأدوية والمعدات الصحية الأساسية، بينما لا تزال العديد من المستشفيات والمراكز الصحية خارج الخدمة بسبب الحرب وغياب التمويل وانعدام الدعم الإنساني.
وتشير التقارير إلى أن مستشفى دربات الريفي ومراكز جاوا وسوني الصحية من بين المؤسسات الطبية التي توقفت عن العمل أو تعمل بقدرات محدودة للغاية، الأمر الذي حرم آلاف السكان من الحصول على الرعاية الطبية اللازمة.
كما تزيد وعورة الطرق الجبلية وغياب وسائل النقل من صعوبة وصول المرضى إلى المدن أو المراكز الصحية القليلة المتبقية، في وقت يعاني فيه المواطنون من ضعف الوعي الصحي بطبيعة المرض وطرق الوقاية منه وكيفية التعامل مع المصابين.
ويؤكد عاملون في المجال الإنساني أن السكان بحاجة عاجلة إلى حملات توعية صحية وفرق طبية متخصصة، إلى جانب توفير معدات الوقاية والعلاج ووسائل الفحص والرصد المبكر للحد من انتشار الوباء.
استجابة خجولة أمام كارثة تتسع
ورغم خطورة الوضع، لا تزال الاستجابة الإنسانية الدولية محدودة بصورة كبيرة، حيث تكاد منظمة أطباء بلا حدود تكون الجهة الوحيدة التي تقدم خدمات ميدانية في بعض المناطق المتأثرة، لكنها تواجه بدورها نقصاً واضحاً في الإمكانيات مقارنة بحجم الأزمة.
ويقول ناشطون محليون إن غياب الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية عن مناطق جبل مرة فاقم من حجم المأساة، خاصة مع استمرار النزاع وصعوبة الوصول الإنساني، الأمر الذي ترك آلاف المدنيين في مواجهة الوباء بإمكانات شبه معدومة.
ويحذر مختصون من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى انتشار أوسع للمرض داخل دارفور وخارجها، خصوصاً مع حركة النزوح المستمرة وانعدام الرقابة الصحية وضعف إجراءات الاحتواء.
كما يخشى مراقبون من أن يتحول تفشي جدري القرود إلى أزمة إقليمية إذا لم يتم احتواء المرض سريعاً عبر تدخل طبي وإنساني واسع النطاق.
نداء أخير قبل الانفجار الصحي
وأكد رئيس السلطة المدنية بالأراضي المحررة، مجيب الرحمن محمد الزبير، أن الوضع الصحي في جبل مرة يتطلب استجابة دولية عاجلة وفورية، مشيراً إلى أن تجاهل الأزمة قد يؤدي إلى كارثة إنسانية يصعب احتواؤها لاحقاً.

ودعت حركة تحرير السودان الأمم المتحدة ووكالاتها والمنظمات الصحية والإنسانية إلى التحرك العاجل لإرسال فرق طبية متخصصة ومساعدات إنسانية وأدوية ومعدات صحية إلى المناطق المتضررة، إلى جانب إعادة تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية المغلقة وفتح ممرات إنسانية عاجلة.
ويرى متابعون أن ما يجري في جبل مرة يمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزام المجتمع الدولي بمسؤولياته الإنسانية تجاه المدنيين في مناطق النزاع، في وقت يواجه فيه السكان وباءً خطيراً بالعزلة والخوف والإمكانات البدائية.
ومع كل يوم يمر دون تدخل فعّال، يواصل جدري القرود زحفه داخل قرى ووديان جبل مرة، بينما يترقب السكان استجابة قد تأتي متأخرة بعد أن يتحول الوباء إلى مأساة إنسانية مفتوحة على كل الاحتمالات.




