
نجم الدين دريسة
حين يصبح وجودك جريمة
في هذه الحرب، لم يعد السؤال من يسيطر على الجغرافيا، ولا من يملك السماء، ولا من يحتل العاصمة.
السؤال الجوهري صار أكثر فظاعة: من يُسمح له أن يعيش، ومن يُقرَّر له أن يختفي؟
ما يجري في السودان اليوم ليس صراع سلطة، ولا تنازع نفوذ، ولا حربًا بين قوتين متكافئتين، بل حرب شاملة على المجتمع نفسه. حرب على الناس بوصفهم بشرًا أحرارًا، على قدرتهم التاريخية على التنظيم، وعلى ذاكرتهم الجمعية التي لم تنكسر لا أمام الاستعمار ولا أمام دولته الوكيلة.
حين تعجز السلطة عن إخضاع المجتمع سياسيًا، تنتقل إلى محاولة إلغائه وجوديًا
قصف الأسواق، تدمير المشافي، استهداف القرى والمناطق المأهولة، ليس فوضى ولا تجاوزًا، بل خطة واعية. عقيدة كاملة ترى أن المجتمع الحر أخطر من أي بندقية، وأن كسر الحياة اليومية هو الطريق الأسرع لتركيع الناس.
اصحاب الامتيازات: ورثة الاستعمار ووكلاء القتل
اصحاب الامتيازات التاريخية بكل اشكالهم ليسوا حادثة تاريخية عابرة، ولا انحرافًا مؤقتًا، بل امتداد بنيوي للاستعمار. الفرق الوحيد أن المستعمر القديم مارس عنفه بصفته غريبًا، بينما ورثته المحليون يمارسونه بلسان الدين وبأدوات الدولة.
الاستعمار لا يرحل… بل يعيد إنتاج نفسه عبر وكلاء محليين
هؤلاء لم يؤمنوا يومًا بدولة وطنية، بل بإدارة غنيمة.
لم يروا في السودان وطنًا، بل موردًا.
لم يعتبروا المجتمعات الحية شركاء، بل عوائق يجب تذليلها أو كسرها.
منذ اللحظة الأولى، بُني مشروعهم على احتقار الناس، والخوف من وعيهم، ومعاداة أي شكل من أشكال التنظيم خارج سيطرتهم.
النُّخَب ومنطق الدولة القديمة
الدولة القديمة لم تكن دولة مواطنة، بل ترتيب امتيازات.
نظامًا مغلقًا تحكمه نخب ورثت السلطة والثروة والسلاح، واعتبرت نفسها وصية أبدية على المجتمع.
الدولة التي وُلدت بلا عدالة، لا تستمر إلا بالقهر
هذه النخب لم ترَ في التعدد مصدر ثراء، بل مصدر تهديد.
ولم ترَ في الهامش جزءًا من الوطن، بل حقل تجارب للقمع والتجويع والحروب.
وعندما نهضت المجتمعات التي ناهضت الاستعمار، وأسست الوعي الوطني الحقيقي، قررت هذه النخب أن الرد لا يكون بالإصلاح، بل بالعقاب الجماعي.
لماذا تُستهدف الأسواق والمشافي؟
لأن السوق ليس مكان بيع فقط، بل فضاء اجتماع وكرامة.
ولأن المشفى ليس جدرانًا وأجهزة، بل معنى الحياة المشتركة.
من يقصف السوق، لا يستهدف التجارة بل يستهدف الاجتماع الإنساني
استهداف هذه الفضاءات رسالة واضحة:
لا حياة خارج الطاعة،
لا علاج خارج السيطرة،
لا خبز بلا خوف.
هذا ليس خطأً عسكريًا، بل سياسة رعب هدفها كسر العمود الفقري للمجتمع.
الطيران والمسيّرات: سلاح النُّخَب الجبانة
الطيران الذي يُستخدم ضد المدنيين ليس تعبيرًا عن القوة، بل فضيحة سياسية.
هو سلاح من فقد شرعيته على الأرض، ومن لم يعد يملك غير السماء ليهرب إليها.
من يقصف من السماء، لأنه هُزم في المجتمع
المسيّرات التركية، والمهاجر الإيرانية، وكل أدوات القتل عن بُعد، ليست دليل تفوق، بل علامة عجز أخلاقي وخوف وجودي.
فالنخب والكيزان يدركون أن أي مواجهة مباشرة مع المجتمع ستكشف حقيقتهم العارية.
قوى الردة: الحرب على الوعي قبل السلاح
هذه ليست حرب ذخيرة فقط، بل حرب على الوعي.
قوى الردة تفهم أن أخطر ما يواجهها ليس قوة عسكرية، بل مجتمع مدرك لحقوقه.
الوعي أخطر على الطغاة من ألف بندقية
لهذا تُستهدف القيادات الأهلية، والبنى المجتمعية، والعلاقات الأفقية التي تتيح للناس أن يعيشوا ويقاوموا خارج منظومة الدولة القامعة.
الوكلاء والتآمر على الوطن
هذه النخب لم تكن يومًا مستقلة القرار.
هي نخب وظيفية بطبيعتها.
وجودها مرهون بالدعم الخارجي، واستمرارها مرتبط بإرضاء قوى إقليمية ترى في السودان مجرد ساحة.
من يستمد شرعيته من الخارج، يخسر وطنه في الداخل
التآمر مع الخارج ضد المجتمع لم يكن استثناءً، بل خيارًا دائمًا. فالنخب التي تخشى شعبها، لا تجد حليفًا إلا من يضمن لها البقاء ولو على أنقاض الوطن.
استهداف المجتمعات الحرة: محاولة كسر العمود الفقري
المجتمعات التي تُقصف اليوم ليست صدفة جغرافية.
إنها المجتمعات التي:
قاومت الاستعمار
رفضت التهميش
حافظت على تنظيمها الاجتماعي
ورفضت الانخراط في دولة الامتيازات
من لا يُكسر بالإذلال، يُستهدف بالإبادة
لكن هذه المحاولات، مهما بدت عنيفة، تكشف هلع النخب لا قوتها. فهم يعلمون أن هذه المجتمعات إن بقيت متماسكة، فلن يبقى لمشروعهم مكان.
خطاب الصمت والحياد: شراكة غير بريئة
الحديث عن الحياد في مواجهة هذه الجرائم ليس أخلاقيًا، بل تواطؤ مقنّع.
الصمت الطويل، واللغة الباردة، والدعوات المعلّبة لـ“تجنب التصعيد”، كلها تمنح القتلة وقتًا إضافيًا.
حين يُطلب من الضحية الصمت، يُمنح الجلاد مزيدًا من الوقت
هذا الخطاب لا يحمي المدنيين، بل يطبع الجريمة، ويحوّل القتل إلى خبر عابر.
المجتمع المستهدف لا يُهزم
ورغم كل هذا العنف، فشل مشروع الإخضاع.
لم تُكسر المجتمعات الحرة، ولم تُمحَ ذاكرتها، ولم تُقتل إرادتها.
الشعوب التي واجهت الاستعمار، لا ترهبها أدواته الجديدة
كل قصف يزيد القناعة بأن هذه السلطة لا تملك مستقبلًا، وأن وجودها قائم فقط على العنف المؤقت.
الردع: كسر معادلة القتل المجاني
الردع ليس دعوة للدمار، بل شرط لوقفه.
حين تصبح الجريمة بلا كلفة، تتحول إلى سياسة ثابتة.
القاتل لا يتوقف بنداء أخلاقي، بل حين ترتفع الكلفة
من دون كسر هذه المعادلة، ستظل النخب والكيزان يرون في القتل أداة حكم رخيصة.
معركة وجود لا تحتمل التزييف
هذه ليست معركة تكتيك ولا ظرف، بل صراع وجودي بين:
مشروع دولة مواطنة متساوية
ومشروع نخبوي كيزاني يرى المجتمع عبئًا
الدولة التي تحارب مجتمعها، تعلن نهايتها بنفسها
قد تملك هذه النخب الطيران، لكنها لا تملك المستقبل.
قد تقصف البيوت، لكنها تعجز عن قصف الوعي.
وقد تراهن على الخوف، لكن الشعوب التي اعتادت مواجهة الموت لا تُحكم إلى الأبد.
هذه الحرب ستنتهي، لا بانتصار النخب والكيزان، بل بانتصار المجتمع الذي حاولوا قتله أولًا.




