رأي

السودان بين لعنة الطغيان ووعد الخلاص

عابدة مختار

 

عابدة مختار 

يمتد السودان على مساحة شاسعة، محاذيًا لسبع دول أفريقية، متفردًا بموقع استراتيجي يجعله قلبًا نابضًا في محيطه الإقليمي. أرضه البكر تختزن الذهب والبترول واليورانيوم، وتفيض بموارد زراعية ومائية هائلة، حتى غدا محط أنظار الطامعين وموضع تنافس القوى. غير أن المأساة لم تأتِ دائمًا من الخارج، بل تكاثفت في الداخل حين تحولت السلطة إلى غاية، والوطن إلى غنيمة.

على صدر هذا الشعب جثم مشروع إقصائي احتكر الدولة ومقدراتها، وسخّر إمكاناتها لخدمة فئة بعينها، متعاملًا مع البلاد وكأنها ملك خاص لا يحق لغيرهم الاقتراب منه. وحين انتفض السودانيون مطالبين بحقهم الطبيعي في الحرية والكرامة، قوبل صوتهم بالنار لا بالحوار، وبالوعيد لا بالاستجابة. أصبحت كلمة “لا” جريمة، وأضحى المطالب بالعدالة هدفًا لحربٍ لا ترحم.

اندلعت حرب أحرقت الأخضر واليابس، ودفعت ثمنها القرى والمدن والأسر البسيطة. سقط المدنيون تحت القصف، وتحوّلت البيوت الآمنة إلى ساحات خوف، بينما ظل قادة المشهد يلوّحون بالقوة ويتوعدون بالمزيد، كأن الوطن حقل تجارب لإثبات السيطرة، لا مسؤولية تستوجب الحكمة. تصاعد خطاب التخوين والتهديد، وجرى تصوير كل رافض للهيمنة كأنه خصم يجب إخضاعه، لا مواطن له حق في الرأي.

ومع كل يوم يمر، تتعمق الجراح ويكبر السؤال: إلى متى يستمر استهداف شعب قال كلمته بوضوح؟ إلى متى يُراد للناس أن يختاروا بين الصمت أو الخراب؟ إن الشعوب التي ترفض العبودية لا يمكن كسر إرادتها بالقوة، والتاريخ يشهد أن الاستبداد، مهما طال، يحمل في داخله بذور نهايته.

السودان اليوم يقف بين طريقين: إما الاستمرار في دوامة العنف التي تستنزف موارده وتفتت نسيجه الاجتماعي، أو العودة إلى منطق الوطن الجامع الذي يتسع للجميع بلا إقصاء. فالثروات وحدها لا تصنع دولة، والموقع الاستراتيجي لا يحمي أمة إن غابت العدالة. الدولة تُبنى على التوافق، وعلى احترام إرادة الناس، وعلى الإيمان بأن السلطة تكليف لا تشريف.

ورغم قتامة المشهد، فإن جذوة الأمل لم تنطفئ. فالسودانيون الذين خرجوا مطالبين بالحرية لم يفعلوا ذلك عبثًا، بل إيمانًا بأن هذا الوطن يستحق أفضل مما آل إليه. وحين تضيق السبل، يبقى اليقين بأن العدالة قيمة لا تموت، وأن الظلم إلى زوال مهما اشتد.

إنها لحظة مراجعة كبرى، لحظة يُعاد فيها تعريف معنى الدولة والوطن والسلطة. وبين الألم والرجاء يظل الدعاء حاضرًا: أن يحفظ الله السودان وأهله، وأن يبدل الخوف أمنًا، والفرقة وحدة، وأن يكون الغد أقرب إلى ما يليق بتاريخ هذا البلد وإرادة شعبه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!