رأي

الجلابة واستراتيجية استهداف المدنيين: حرب على المجتمع قبل أن تكون حربًا على السلاح

موسي حمدان

 

موسي حمدان 

ما يجري اليوم ليس حربًا بين جيوش، ولا صراعًا عسكريًا تقليديًا، بل هو هجوم منظم على المجتمع نفسه. ما تمارسه قوى الجلابة ليس أخطاء فردية ولا تجاوزات ميدانية، بل سياسة واعية تستهدف المدنيين عمدًا، لأنهم هم الحلقة الأضعف، وهم في الوقت نفسه مصدر الشرعية والقوة لأي مشروع تحرري.

هذه القوى لا تحارب السلاح فقط، بل تحارب الحاضنة الاجتماعية: تحارب القرى، والأحياء، والأسَر، والقيادات الأهلية، وتحارب فكرة أن الناس يمكن أن يعيشوا خارج منظومة الخوف التي بُنيت عليها الدولة القديمة. لذلك تُقصف القرى، وتُغتال القيادات المجتمعية، وتُحرق المزارع، وتُرَوَّع البوادي، لا لأن هناك ضرورة عسكرية، بل لأن المطلوب هو كسر الروح قبل كسر البندقية.

هذه هي نفس المدرسة التي استخدمتها روسيا في الشيشان وسوريا وأوكرانيا: انقل الحرب إلى بيوت الناس، حوّل حياتهم اليومية إلى جحيم، وستأتيك السياسة راكعة دون أن تحتاج إلى نصر عسكري حاسم. هذا هو جوهر ما يُعرف باستراتيجية استهداف المدنيين: حين يصبح الألم أداة حكم، والمعاناة وسيلة تفاوض.

وقد أثبتت التجربة أن هذه السلطة لا تفعل ذلك إلا حين تشعر بالأمان من العقاب. هي لا تتوحش لأنها قوية فقط، بل لأنها مطمئنة أن أحدًا لن يحاسبها. الإفلات من العقاب ليس خللًا في النظام، بل هو قلبه النابض. وما لم يُكسر هذا الاطمئنان، فإن دائرة الدم ستظل تتوسع من مدينة إلى أخرى، ومن إقليم إلى آخر.

لهذا انتقل العنف من الشمال إلى دارفور، ومن المدن إلى البوادي، ومن ساحات القتال إلى الأسواق والمدارس والمنازل. أصبح قتل الأطفال “تفصيلاً”، وأصبح حرق القرى “إجراءً أمنيًا”، وأصبح اغتيال القيادات الأهلية “ضرورة ميدانية”. هكذا تُعاد صياغة الجريمة في لغة رسمية لتبدو وكأنها سياسة عقلانية، بينما هي في حقيقتها إعلان حرب على المجتمع كله.

ومن هنا يجب أن يكون الخطاب واضحًا بلا مواربة: هذه ليست معركة أخلاقية فقط، ولا نقاشًا فكريًا حول القيم، بل صراع وجودي حول من يملك الحق في الحياة والكرامة والقرار. استخدام خطاب “الحياد” و”التهدئة” و”تجنب التصعيد” في مواجهة آلة القتل ليس حكمة، بل تواطؤ غير مباشر مع استمرار الجريمة.

السلطة التي بُنيت على العنف لا تسقط بالمناشدات، ولا تتراجع بالبيانات، ولا تتوقف بالنيات الحسنة. هي تفهم شيئًا واحدًا فقط: أن كلفة الاستمرار أصبحت أعلى من كلفة التراجع. بدون هذا الميزان، ستظل ترى في القتل خيارًا رخيصًا، وفي الخراب أداة فعالة، وفي الألم موردًا سياسيًا يُستثمر بلا نهاية.

إن من يراهن على الصمت أو التنازل أو انتظار “الوعي الأخلاقي” من القاتل، يعيد إنتاج نفس الوهم الذي دفع ثمنه السودانيون لعقود: وهم أن هذه السلطة يمكن أن تُصلح نفسها، أو تُقنع بالحجة، أو تخجل من جرائمها. والحقيقة أنها لا تخجل، ولا تعتذر، ولا تتوقف إلا إذا أُجبرت.

لذلك فإن بناء الردع ليس دعوة للعنف، بل محاولة أخيرة لوقفه. الردع هو ما يحمي المدنيين، وهو ما يمنع تحول المجازر إلى روتين، وهو ما يجعل القاتل يفكر ألف مرة قبل أن يضغط الزناد أو يعطي الأمر بالقصف.

هذه ليست دعوة للانتقام، بل دعوة لكسر حلقة الدم، عبر نقل كلفة الجريمة إلى من يرتكبها، بدل أن تظل تُدفع دائمًا من أجساد الأطفال، وبيوت الفقراء، وظهور العزل.

إنها معركة على معنى الدولة، ومعنى السياسة، ومعنى أن يكون الإنسان إنسانًا لا وقودًا في لعبة السلطة.

موسى حمدان

بريطانيا العظمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!