ما بين الأشاوس والساموراي من الخوف إلى الفهم: كيف تُبنى التنمية؟
د.انس حميدان.. ترجمة د.خالد عبيد

د. أنس حميدان
ترجمة: د. خالد عبيد
في الذاكرة اليابانية القديمة، لم يكن الساموراي في البداية رموزًا للبطولة كما يُنظر إليهم اليوم، بل كانوا، في نظر كثيرين، قوة مقلقة، حاضرة في المشهد العام بوصفها احتمالًا دائمًا للخطر والعنف وعدم الاستقرار. كانت سيوفهم تسبقهم إلى الوعي، وكانت هيبتهم تزرع الخوف قبل أن تزرع الاحترام.
لم يتحول هذا الخوف فجأة إلى إعجاب، ولم تستيقظ اليابان ذات صباح وقد أحبت محاربيها، بل حدث شيء أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا: بدأ المجتمع يفهمهم. فهم شروط تكوينهم، ونظامهم الداخلي، وحدود قوتهم، ووظيفتهم داخل البنية العامة، فتحوّل الخوف تدريجيًا إلى إدراك، ثم إلى قبول، ثم إلى احترام مستقر.
ومع مرور الوقت، لم يعد الساموراي يُنظر إليهم كمحاربين فقط، بل كطبقة منضبطة محكومة بقوانين صارمة تقوم على ضبط النفس، والتراتبية، والمسؤولية، ودفع ثمن الواجب. كانت حياتهم اليومية قائمة على روتين شديد الانضباط، وعلى طاعة منظمة، وعلى حدود أخلاقية واضحة تضبط استخدام القوة وتمنع انزلاقها إلى الفوضى. وهكذا لم تعد القوة نقيضًا للنظام، بل أصبحت جزءًا منه.
هذا التحول في الفهم هو ما سمح لليابان لاحقًا بأن تعيد توجيه طاقة المحاربين بدل أن تنكرها أو تقصيها. لم تمحِ ماضيها، بل شرحته ونظمته، ثم حولته إلى مورد لبناء الدولة الحديثة. فتحول الانضباط إلى تعليم، وتحولت التراتبية إلى إدارة، وتحول الولاء إلى مسؤولية وطنية، وتحول الصبر والتحمل إلى قدرة على التخطيط والاستمرار.
في هذا المعنى، يبدو وضع مجتمعات البقارة والأبالة اليوم قريبًا من تلك اللحظة اليابانية القديمة.
غالبًا ما يُنظر إلى هذه المجتمعات من زاوية الخوف أكثر من زاوية الفهم، وتُختزل في صور الصراع والتوتر، لا في تفاصيل الحياة اليومية التي تقوم عليها: في الصبر الطويل، وحماية سبل العيش، واحترام الكبار، ونقل المعرفة عبر الأجيال، وضبط السلوك وفق منظومة أخلاقية صارمة. هي مجتمعات تشكلت في بيئات قاسية، فطورت قيمًا تقوم على الانضباط والمسؤولية لا على الفوضى، وعلى الحكمة لا على التهور.
القوة في هذه المجتمعات لا تُقاس بكثرة المواجهات، بل بالقدرة على السيطرة على النفس، وبالقدرة على التحمل، وبالحفاظ على التوازن في ظروف شديدة القسوة.
من هنا، فإن الخوف في ذاته ليس المشكلة، بل المشكلة أن يبقى الخوف بلا فهم، لأن الخوف حين لا يتحول إلى معرفة، ولا يُترجم إلى تنظيم، يتحول إلى عائق أمام التعايش وأمام أي مشروع تنموي طويل المدى.
الفرق بين ما وصلت إليه اليابان وما نقف عنده اليوم ليس فرق ثقافة ولا فرق جوهر، بل فرق مسار في التعامل مع الهوية والقوة: هل يتم شرحها وتنظيمها وإعادة توجيهها، أم تُترك في منطقة الالتباس وسوء الفهم؟
مجتمعات البقارة والأبالة لا تفتقر إلى القيم ولا إلى الانضباط كما تجتهد دويلة ٥٦ في تصويرهم اقليميا ودوليا هاهي هذه المجتمعات تتحول إلى مشروع مؤسسي واضح ينقل طاقتهم الأخلاقية والاجتماعية من مستوى العرف إلى مستوى النظام.
فالانضباط الذي يحمي سبل العيش يمكن أن يحمي المؤسسات، والصبر الذي يسمح بالبقاء في أرض قاسية يمكن أن يدعم التعليم والتخطيط للمستقبل، واحترام الشيوخ يمكن أن يتحول إلى قيادة واعية ومسؤولة.
ولهذا، فإن التنمية لا تبدأ حين يحب الناس بعضهم بعضًا، بل حين يفهمون بعضهم، وحين يتحول هذا الفهم إلى تنظيم، ويتحول التنظيم إلى مؤسسات، وتتحول المؤسسات إلى مستقبل مستقر.
هذا ما فعلته اليابان حين حوّلت الخوف إلى احترام عبر الوضوح والتنظيم، وهو الطريق نفسه الذي يمكن لأي مجتمع أن يسلكه، إذا امتلك الشجاعة لأن يفهم نفسه أولًا
النص الأصلي في نسخته الانجليزية بقلم الدكتور أنس حميدان
ترجمة للعربية دكتور خالد عبيد




