رأي

أبارتهايد في “الهايد بارك”: حينما يتعرى “المثقف التقدمي” في لندن (دراسة حالة موثقة لسقوط الأقنعة)  

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

 مجدي محمد مصطفي ماكن

في مقالنا السابق “ما وراء النقاب: تشريح الأبارتهايد السوداني”، جادلنا بأن أزمة السودان ليست سياسية فحسب، بل هي أزمة “نظام امتياز عنصري” متجذر، يرتدي أقنعة الدين والعروبة، وأحياناً أقنعة “التقدمية” و”النضال”. قد يظن البعض أن هذا “الفيروس” محصور في الخرطوم، أو مرتبط بـ “الكيزان” فقط. لكن التجربة العملية تثبت أن “دولة 56” ليست مجرد نظام حكم، بل هي “حالة ذهنية” يسافر بها المثقف السوداني (الشمالي/النيلي) في حقيبته حتى إلى عواصم العالم الأول.

هذا المقال هو “دراسة حالة” (Case Study) عملية، نضع فيها مبضع الجراح على ورم حي، لأحداث دارت في لندن، داخل رابطة تضم “صفوة” القانونيين والمحامين. أبطالها ليسوا جنرالات، بل محامون يرفعون شعارات اليسار وحقوق الإنسان، لكنهم سقطوا في أول اختبار حقيقي لـ “قبول الآخر”.

أولاً: “القرصنة الأخلاقية”.. اللجوء باسم الضحية، والولاء للجلاد

قبل الدخول في التفاصيل، يجب تفكيك ظاهرة مرعبة تنتشر في أوساط “النخبة الهاربة” إلى الغرب. تجد الكثير من أبناء النخبة النيلية والمركز، الذين ضاق بهم السودان، يقفون أمام سلطات الهجرة في أوروبا وأمريكا، وينتحلون صفة الضحايا. يزورون هوياتهم، ويدعون أنهم من (أبناء دارفور، جبال النوبة، أو النيل الأزرق) للحصول على حق اللجوء السياسي. هذه قمة “السطو المعنوي”؛ أن تسرق “مأساة” إنسان آخر لتنجو بنفسك. لكن الكارثة ليست هنا فقط.. الكارثة أن هؤلاء، وبمجرد حصولهم على الجواز الغربي والأمان، يعودون لممارسة “الاستعلاء العرقي” ودعم جيش “دولة 56” الذي هربوا منه (باسم ضحاياه)! هذا “الانفصام الأخلاقي” هو الذي يفسر لماذا يفشل هؤلاء في استيعاب التغيير. هم يعيشون في “أجساد” لاجئين، لكن بعقول “أسياد”.

ثانياً: الرفيق “مهند النور”.. حارس المعبد الأيديولوجي

حينما نشرت سلسلة مقالاتي حول “هندسة الهزيمة”، متوقعاً نقاشاً فكرياً من زملاء المهنة، تفاجأت بردة فعل هستيرية. لم يأتِ الهجوم من “إسلامي مزور، متشدد”، بل من الأستاذ (مهند النور)، المحامي والقانوني وعضو الحزب الشيوعي السوداني. بدلاً من مقارعة الحجة بالحجة، ذهب الى صفحتي الشخصية في الفيس بوك اجتزأ جزء من مقال طويل عريض، يتناول ظاهرة دمرت السودان القديم يسعى البعض لنقلها الى السودان الجديد، ثم تقدم بطلب رسمي لرابطة القانونيين والمحامين السودانيين بالمملكة المتحدة لـ “فصلي” من العضوية! التهمة؟ “العنصرية ضد الشماليين”. يا للمفارقة.. شيوعي، يفترض أنه يؤمن بالصراع الطبقي والأممية، يتحول فجأة إلى “حارس قبلي” يرتعد من نقد امتيازات المركز. هذا الموقف يثبت نظريتنا: الأيديولوجيا في السودان (يساراً ويميناً) ليست سوى “قشرة رقيقة” تغطي “الولاء العرقي”. حينما يشعر المثقف المركزي بالخطر، يسقط “ماركس” وتنتصر “القبيلة”.

حينما عجز الأستاذ مهند عن ممارسة “الهندسة الاجتماعية” وارهاب الزملاء نفسيا، وفشل في اثبات العنصرية أضاف، “خليك أمين وقول كل الحقية، عشان دعمك للمليشيا أيضا”.

ثالثاً: الأستاذة “أمال الشيخ”.. وسقوط ورقة التوت (“هذه الأشكال”)

من “الترصد” إلى “جريمة الكراهية”

الفصل الأكثر إيلاماً وكشفاً للحقيقة جاء من الأستاذة المحامية (أمال الشيخ) عضو الحزب الشيوعي السوداني، والناشطة في مجال “حقوق الانسان”. لدي قصة سابقة معها. ففي بداية الحرب، تم أسر ابن أختها (ضابط طيار)، لا أدري ظروف أسره، هل اسر وهو عائد من القاهرة بعد أن أوصل أسرته الى مصر، وعاد للمشاركة في الحرب وقيادة طائرته ليلقي بها البراميل المتفجرة في أسواق مليط والكومة والجنينة وكبابيه ونيالا كما فعل زملائه الطيارين، ام انه تم إسقاط طائرته واسرة…؟ رغم أن طائرات الجيش وطياريها كانت تقصف أهلي، ورغم اختلافنا الجذري، تواصلت هي معي تطلب المساعدة.

استجبت لنداء “الإنسانية” و”الزمالة”. أخبرتها بوضوح: “أنا لست جنديا في دعماً سريعاً”، لكنني سأبذل قصارى جهدي مع من أعرفهم من “الدعامة” بعلاقة الدم، بدافع “الإنسانية”. سعيت بصدق لمعرفة مصيره، حتى عرفنا لاحقاً بوفاته متأثراً بوضع صحي طارئ. لقد تعاملت معها بـ “أخلاق السودان الجديد” (الإنسان أولاً). لكن، كيف ردت هي الجميل؟ بمجرد أن علمت بمقتل قريبها، تحولت الى مترصد، تطاردني في كل مكان حتى في صفحتي الشخصية، وحين جاء الأستاذ مهند، دعمت هي مقترح فصلي، بل نظمت استفتاء “مدغمس” وغير قانوني لذلك.

هي تدعم جيش البازنقر مع حزبها العجوز، اختلفنا في الرأي داخل مجموعة الرابطة، واجهتها بالحقائق.

فكان ردها المكتوب الذي لا يمحى “دي النتيجة الحتمية لوجودنا مع الأشكال دي”!

عبارة “الأشكال دي” ضعوا تحتها ألف خط.

هذه ليست زلة لسان. هذا هو “الأبارتهايد” وقد سقط عنه النقاب.

في عقلها الباطن، أنا لست زميلا، ولست محامياً أو قانونيا ً، ولست حتى إنساناً مساوياً لها في الكرامة. أنا مجرد “شكل” آخر، دخيل، يجب ألا يدنس “نقاء” الرابطة. هذه الكلمة استفزت زملاء آخرين “اشكالي” من دارفور وكردفان والنيل الأزرق، لأنهم أدركوا أن الإهانة لا تخص “مجدي” وحده، بل تخص كل من لا ينتمي لـ “نادي الامتياز”. حدث الهرج والمرج، واضطرت الإدارة لتعليق المجموعة لعشرة أيام. “صفوة” القانونيين في بريطانيا عجزوا عن إدارة حوار لأن “العنصرية الكامنة” انفجرت.

لم تكتفِ الأستاذة بمحاولة فصلي من الرابطة لمجرد اختلاف في الرأي، بل مارست ما يصنفه القانون البريطاني بـ “المطاردة الإلكترونية والتنمر” (Cyberstalking & Bullying). ذهبت إلى صفحتي الشخصية على فيسبوك، ونسخت مقالاً كتبته بمداد الألم، أتحدث فيه عن تاريخ استعباد أسلافي منذ عهد البازنقر، وعن تطلعي لـ “سودان جديد” يحميني من تكرار تلك المآسي. نسخت هذا النص الشخصي جداً، ووضعته في مجموعة “واتساب” للرابطة، ليس للنقاش الفكري، بل بغرض التحريض والسخرية، والتندر و يا للأسف ذهب معها بعض ضحايا “الهندسة الاجتماعية.

يقول بيت من الشعر العربي الدراجي السوداني لود دكين: الزول البليد بي ادو يحفر قبرو

هنا يجب أن نتوقف قليلاً، ليس بصفتنا سودانيين نتجاذب أطراف الحديث، بل بصفتنا قانونيين نعيش في المملكة المتحدة. عبارة “هذه الأشكال” (These Shapes/Forms) عندما توجه لزميل بناءً على خلفيته العرقية أو الجهوية، لا تعتبر مجرد “قلة ذوق” في العرف القانوني البريطاني، بل تقع تحت طائلة توصيفات خطيرة جداً:

– خطاب الكراهية والتمييز (Hate Speech & Discrimination): وفقاً لـ قانون المساواة لعام 2010 (Equality Act 2010)،.

– السلوك المهني المشين Professional Misconduct: الهيئات التنظيمية للمحامين في بريطانيا سواء SRA أو BSB) تضع معايير صارمة جداً تتعلق بالنزاهة والتنوع. استخدام لغة تحط من قدر الآخرين وتجردهم من إنسانيتهم (Dehumanization) بوصفهم “أشكالاً”، هو انتهاك جسيم لأخلاقيات المهنة قد يؤدي للشطب من السجلات والحرمان من الممارسة.

إن استخدام الأستاذة أمال لهذا اللفظ يكشف عن جهل مدقع -أو تجاهل متعجرف- للقوانين التي أقسمت على احترامها في البلد الذي آواها. هي تمارس “عنصرية دولة 56” بأريحية، غافلة عن أن القانون هنا لا يحمي “أبناء الذوات”، بل يقطع يد العنصرية. لو كانت الأستاذة امال الشيخ تمارس المهنة في بريطانيا، ستضطر “مجبرة” للبحث عن عمل اخر غير مهنة المحاماة. وقد لا تجد عمل على الاطلاق بسبب “الوصمة”.

إن الأستاذة أمال، ومن سخر معها، لم يسخروا من “مجدي ماكن” الشخص.. بل سخروا من “الذاكرة الجريحة” لملايين السودانيين الذين قرروا أن يرفعوا رؤوسهم. وعبارة “هذه الأشكال” ستظل وصمة عار تلاحقها قانونياً وأخلاقياً، لتذكرنا دائماً لماذا نحتاج إلى اقتلاع جذور هذا الفكر المتعفن، ولماذا لا يمكن بناء دولة مع عقول ترى شركاءها في الوطن مجرد “أشكال”.

رابعاً: استراتيجية “كشف الأقنعة”.. المواجهة بالقانون

إن ما حدث في رابطة القانونيين والمحامين السودانيين في بريطانيا هو جرس إنذار، ويجب أن يكون نقطة انطلاق لاستراتيجية جديدة في مواجهة “الأبارتهايد المنقب”. لقد ولى زمن “عفا الله عما سلف”. هؤلاء الذين هربوا من جحيم السودان -وبعضهم زوّر هويته وادعى أنه من الهامش للحصول على اللجوء- ثم عادوا ليمارسوا الاستعلاء العنصري في المهاجر، يجب أن يواجهوا بالقانون الذي احتموا به.

نحن نمتلك الأدلة، والرسائل، والشهود. ومهمتنا القادمة هي تعرية هذا “الأبارتهايد” أمام المؤسسات العدلية والمهنية في الغرب.

من يصف زملاءه بـ “الأشكال” لا يستحق أن يحمل رخصة محاماة.

ومن يزور أوراق لجوئه مدعياً الاضطهاد ثم يدعم الإبادة، يجب أن يعلم أن لجوءه مهدد إذا انكشف تزويره حتى وان كان قد حصل على الجنسية الغربية. وما أسهل اثبات التزوير.

من العار ان يكون مكان ميلادك في الجواز الغربي نيالا، وفقا لبياناتك المزورة ثم تطلب قصف نيالا بالكيماوي والبراميل المتفجرة. سنكشف حقيقة التزوير ولن نجامل أحد.

إن معركتنا ضد “دولة 56” انتقلت الآن إلى قلب العواصم الغربية. سنلاحق هذا الفكر العنصري، ليس بالسلاح، بل بفتح الملفات، وتطبيق القوانين، وجعل كل “عنصري متخفٍ” يدفع ثمن عنصريته من مستقبله المهني وسمعته الأخلاقية.

الخلاصة: لماذا “حميدتي” هو “دي كليرك” الضرورة؟

هذه الوقائع (من مهند النور وأمال الشيخ) ليست نميمة اجتماعية، بل هي أدلة إثبات. إذا كان هذا هو حال “المثقفين المدنيين” و”اليساريين” و”القانونيين” الذين يعيشون في مهد الديمقراطية (بريطانيا).. إذا كانوا عاجزين عن قبول “الآخر” في “قروب واتساب”، ويعتبرونه من “الأشكال” التي يجب طردها.. فكيف نأمن لهم أن يبنوا دولة عدالة في السودان؟ كيف نصدق أن جيش “دولة 56” (المؤسسة الأم لهذه النخبة) سيسلم السلطة للديمقراطية طواعية؟

لهذا السبب، قلنا ونقول: إن تفكيك هذا “الأبارتهايد” يحتاج لقوة خشنة. يحتاج لتحالف “مانديلا” (الحلو) مع “دي كليرك” (حميدتي). لأن هؤلاء القوم لا يفهمون لغة القانون أو الإنسانية التي عاملناهم بها، بل يفهمون لغة موازين القوى.

انتهى عهد الصمت.. وبدأ عهد المحاسبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!